حين تستخدم الرمزية النسائية غطاء لفراغ المشروع السياسي.

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

أثار إعلان حزب «الأصالة والمعاصرة» تزكية السيدة «فاطمة الزهراء المنصوري» كمرشحة محتملة لرئاسة الحكومة المقبلة نقاشا واسعا تجاوز حدود الحزب، ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الفعل السياسي، وحدود الخطاب الحداثي، وما إذا كنا أمام تحول نوعي في الثقافة الديمقراطية، أم مجرد توظيف ذكي للرمزية في سياق ٱنتخابي مأزوم.

لا خلاف حول المكانة السياسية والتنظيمية التي راكمتها السيدة «المنصوري» داخل المشهد الحزبي والمؤسساتي، ولا مانع كون ترشيح ٱمرأة لرئاسة الحكومة خطوة ذات دلالة رمزية قوية في بلد ما تزال فيه تمثيلية النساء في مواقع القرار محكومة بسقوف غير معلنة. غير أن الإشكال لا يكمن في من تم تزكيته بقدر ما يكمن في كيف ولماذا الآن، وفي أي سياق سياسي وفكري يتم تقديم هذا الترشيح؟

 

إن المتتبع لمسار حزب «الأصالة والمعاصرة» يلاحظ أن خطابه الحداثي غالبا ما سبق ممارسته السياسية، وأن الشعارات الكبرى من قبيل تجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الإعتبار للسياسة ظلت في كثير من المحطات معلقة بين النية والإخفاق!

من هذا المنطلق، يحق للمتلقي أن يتساءل:

– هل تزكية امرأة لرئاسة الحكومة تعبير عن مراجعة فكرية عميقة داخل الحزب؟

– أم أنها محاولة لإعادة تسويق الذات السياسية عبر ورقة النوع الإجتماعي، في غياب حصيلة حكومية أو معارضة مقنعة؟

 

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي حزب، وهو يرفع شعار تمكين المرأة، هو تحويل هذا الشعار إلى أداة تزيينية تستعمل لتلميع الصورة، بدل أن يكون ثمرة مسار ديمقراطي داخلي، قائم على التداول، والكفاءة، وربط الترشيح بتقييم موضوعي للتجربة السياسية.

فتمكين النساء لا يتحقق بالقرارات الفوقية ولا بالإعلانات الإعلامية، بل ببناء بيئة سياسية عادلة، تفرز القيادات النسائية كما تفرز القيادات الرجالية:

(عبر البرامج، والإختيارات الواضحة، والقدرة على إقناع المواطن).

ثم إن رئاسة الحكومة، في السياق المغربي، ليست تتويجا رمزيا بقدر ما هي موقع تدبير معقد، تحكمه توازنات دستورية وسياسية دقيقة، وتحديات ٱجتماعية وٱقتصادية ضاغطة. وبالتالي، فإن النقاش الجدي لا ينبغي أن ينحصر في كون المرشح امرأة أو رجلا، بل في المشروع الذي يحمله، والقدرة على تنزيله، والإستقلالية السياسية التي ستمكنه من مواجهة مراكز النفوذ ومقاومة منطق التدبير التقني المعزول عن هموم المجتمع.

 

إن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط كسر السقف الزجاجي أمام النساء، وهو مطلب مشروع، بل كسر السقف المنخفض للسياسة نفسها: «سياسة بلا نفس، بلا خيال، وبلا جرأة».

وأي ترشيح، مهما كانت رمزيته، سيظل ناقصا ما لم يدعم برؤية واضحة، ونقد ذاتي شجاع، وٱلتزام صريح بإعادة الثقة للمواطن في العمل الحزبي.

وعليه، فإن تزكية السيدة «المنصوري»، إن أريد لها أن تكون لحظة تاريخية فعلا، لا مجرد عنوان جذاب، فعلى حزب «الأصالة والمعاصرة» أن يقدم ما هو أكثر من ٱسم:

«أن يقدم مشروعا، ومراجعة، وقطيعة حقيقية مع منطق الإستهلاك الرمزي للسياسة».

أما غير ذلك، فلن يكون سوى إعادة إنتاج لخيبة قديمة بوجه جديد، حتى وإن كان هذا الوجه امرأة.

Comments (0)
Add Comment