عزيز اللاجي-
شهدت مدن مغربية خلال شهر غشت 2025 الجاري حملة أمنية لمراقبة دراجات نارية (خصوصا السكوترات والصيكلوموتورات) يشتبه في تعديلها تقنيا لزيادة السرعة. استندت عمليات الفحص إلى معيار عملي: الدراجة تعد مطابقة إذا لم تتجاوز سرعتها القصوى 57 كلم/س (50 كلم/س + هامش تقني 7 كلم/س)، وتعد غير مطابقة إذا بلغت 58 كلم/س أو أكثر، ما يندرج ضمن «تغيير الخصائص التقنية» وفق قانون السير 52.05. هذا الإجراء أثار نقاشا واسعا، لينتهي يوم 21 غشت 2025 إلى تعليق الحملة ومنح مهلة انتقالية مدتها 12 شهرا لإعادة الضبط والتوعية.
ما الذي تم تطبيقه على الأرض؟
طريقة القياس: تجرى معاينة السرعة القصوى في الميدان بواسطة جهاز قياس معتمد؛ يجلس السائق على المقعد، يمسك المقود، ويسرّع إلى الحدّ الأقصى لقراءة السرعة النهائية. أي نتيجة اصغر أو يساوي57 كلم/س تعني مطابقة، و أكبر او يساوي 58 كلم/س تعني عدم المطابقة والتكييف القانوني على أنها دراجة معدّلة.
الجزاءات المنصوص عليها: الغرامات قد تصل إلى 30 ألف درهم، ومع تكرار المخالفة قد تطبق عقوبات حبسية (3–12 شهرا)، مع إمكانية الحجز والمصادرة وفق المساطر.
التفاعل الاجتماعي: رافقت الحملة موجة احتجاج إلكتروني ودعوات إلى توقيف الاستخدام مؤقتا، قبل قرار التعليق الحكومي.
لماذا 57/58 كلم/س؟ خلفية تقنية وقانونية
المبدأ القانوني المعتمد أنّ الصيكلوموتور مصمم لسرعة قصوى 50 كلم/س، ويمنح هامش تقني 7 كلم/س لتجنب أخطاء القياس أو فروق التصنيع؛ أصغر او يساوي 57 كلم/س يعد «مطابقا»، وأكبر أو يساوي 58 كلم/س يفهم عادة كتعديل تقني (إزالة محدّد السرعة، تغيير الكربوريتور/الحقن، عوادم معدّلة…)، وهو ما يدخل المركبة تحت طائلة «تغيير الخصائص التقنية» الواردة في قانون السير. هذا التفسير أعلنته جهات إعلامية وهيئات مهنية نقلا عن نارسا ووزارة النقل خلال أيام الحملة.
لماذا التركيز على الدراجات النارية؟
بحسب التقرير القطري للسلامة الطرقية (ITF/OECD) تمثل فئة مستعملي الدراجات ذات المحرك أكبر حصة من وفيات الطرق في المغرب (حوالي 40%)، مع اتجاه تصاعدي منذ 2017–2019.
سجّل المغرب 4024 وفاة مرورا في سنة 2024 (+5.37%)، وفي الأشهر الخمسة الأولى من 2025 ارتفعت الوفيات بنحو 20.9% على أساس سنوي؛ ما دفع إلى خطط صيفية طارئة وتشديد الرقابة.
رسميا، أُشير إلى قفزة تقارب 63% في وفيات سائقي الدراجات منذ 2015، ما يعمّق قناعة السلطات بأن الخطر الأكبر اليوم يتمثل في ثنائي/ثلاثي العجلات داخل المدن.
التحليل العلمي: ماذا تقول الفيزياء وسلامة المركبات؟
طاقة الحركة ومسافة التوقف
طاقة الحركة تتضاعف مع مربع السرعة. رفع السرعة من 45 إلى 60 كلم/س يزيد طاقة الصدمة بنحو 78% تقريبا، ما يفسّر انتقال الإصابات من متوسطة إلى قاتلة عند الارتطام. كما أن مسافة التوقف (رد فعل + كبح) تنمو تقريبا مع : على أرضية حضرية عادية، زيادة 10–15 كلم/س قد ترفع مسافة التوقف أمتارا حرجة في شارع ضيق.
ثبات المركبة والتعديلات
إزالة محدّد السرعة، تكبير الفوهات أو تغيير العادم يغيّر منحنى العزم، ويؤثر في اتزان الدراجة، وقد يتجاوز قدرات الفرامل والإطارات المصممة أصلًا لسرعة 50 كلم/س، فتزيد ميول الانزلاق عند الكبح الطارئ أو المناورة.
تعرض الركاب
راكب الدراجة «مكشوف»؛ الخوذة والملابس الواقية تقللان المخاطر بشكل كبير، لكن عند سرعات أعلى يصبح هامش النجاة أصغر بكثير، خاصة مع مركبات ثقيلة في محيط حضري كثيف.
بيئة المدينة
السرعات الحضرية غالبا 30–50 كلم/س في محاور داخلية؛ أي ارتفاع منتظم فوق ذلك يضاعف مخاطر الراجلين والدراجات الهوائية على التقاطعات.
أين نجحت الحملة وأين تعثرت؟
نِقاط إيجابية
تعريف تقني واضح لمطابقة السرعة (50 + 7) يخلق معيارا قابلا للقياس في الميدان.
ربط «السرعة غير المطابقة» بباب تغيير الخصائص التقنية يوجه الإنفاذ نحو الدراجات المعدّلة لا السلوكيات العابرة فقط.
تحديات تطبيقية
التدرّج والتوعية: انطلقت الحملة بسرعة في موسم حركي (الصيف)، فظهر احتقان اجتماعي وشعور بالمفاجأة، قبل أن تُعلَّق وتُمنح مهلة سنة. التدرّج والتواصل المسبق كانا سيحدّان من الرفض.
حلقة الاستيراد والمطابقة: إذا دخلت السوق دراجات غير مضبوطة المواصفات أو من دون شفافية كافية في المصادقة التقنية، فالأَولى ضبط المنبع (الاستيراد/التسويق) لا الاقتصار على معاقبة المستعمل النهائي. (هذا محور انتقاد متكرر في التغطيات الصحفية والنقاش العمومي).
عدالة القياس والمعايرة: نجاح الفحص الميداني يتطلب أجهزة معايرة وإجراءات موحدة وموثّقة؛ أي تباين في الأسلوب أو الأجهزة قد يخلق شعورا بالتحيز أو عدم اليقين.
خارطة طريق عملية خلال «سنة الانتقال»
تقنين المنبع: تشديد مطابقة الاستيراد والتسويق وإلزام البائعين ببيان سرعة التصميم وشهادة المطابقة مع رقابة فعلية دورية.
معايرة الأدوات: نشر دفتر مساطر قياس السرعة (خطوات الفحص، شروط السطح، حرارة/رياح، وضعية السائق) وجدولة معايرات دورية للأجهزة مع إمكانية الطعن الفني من طرف السائق.
إنفاذ ذكي المخاطر: أولوية على المعدلة والسلوكيات الأخطر (قطع الإشارة، الاتجاه المعاكس، السير على الأرصفة) بدل التركيز العددي على «السرعة فقط».
تجهيز وقاية شخصية: دعم/إلزام خوذات مطابقة ECE 22.06 وقفازات وأحذية واقية مع حملات تحسيس في المدارس ومراكز التكوين.
بنية تحتية صديقة للدراجات: ممرات آمنة، تهدئة سرعة بالمطبات الذكية، إضاءة التقاطعات، وتدابير «رؤية صفرية» للراجلين.
ترخيص متدرّج وتكوين: اختبار قيادة خاص بالدراجات الحضرية، وحدّ قدرة للمبتدئين، وبرامج عبر مدارس معتمدة.
شفافية البيانات: لوحات قيادة شهرية من نارسا عن الحوادث حسب الفئة/الموقع/الساعة، مع تقييم عام لأثر الإجراءات.
حوافز الالتزام: تخفيضات تأمين/ضرائب للمطابقة التقنية الموثّقة، وبرامج استبدال للدراجات القديمة/المعدّلة بأخرى مطابقة.
عدالة إجرائية: تمكين السائق من نسخة محضر القياس وفيديو/صورة القراءة، ومسار تظلّم فني سريع.
اتصال عمومي مستمر: منصة تشرح «لماذا 57/58»، والفرق بين السرعة القانونية والتعديل التقني، وتجيب عن الأسئلة الشائعة.
خلاصة
المعيار 57/58 كلم/س ليس «رقما اعتباطيا»؛ إنه ترجمة عملية لسرعة تصميم الصيكلوموتور (50) مع هامش تقني (7)، واستخدامه لتجريم التعديل التقني يستند إلى قانون السير. لكن نجاح هذا النهج رهين بضبط المنبع (الاستيراد والمطابقة) وعدالة القياس والتدرج في التطبيق.
قرار التعليق لسنة نافذة مهمة لانتقال من «الحملة الصدامية» إلى سياسة شاملة للسلامة توازن بين حماية الأرواح ومصالح ملايين المستعملين الذين يعتمدون الدراجة في لقمة عيشهم وتنقلهم اليومي. الأرقام تحذر: ثقل وفيات ثنائي/ثلاثي العجلات كبير، والحلول الناجعة موجودة إذا طبّقت بصرامة وعدالة وشفافية.