بين حرية التعبير والفوضى الرقمية: المؤثرون في مرمى القانون المغربي

يعرف المغرب في الفترة الأخيرة موجة واسعة من المتابعات القضائية في حق عدد من “المؤثرين” على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تورط بعضهم في قضايا اعتبرت خطيرة، من بينها الاتجار في البشر، الإساءة، التشهير، السب والقذف، إضافة إلى تداول صور وفيديوهات لأشخاص دون موافقتهم أو تعميم معطيات شخصية تمس حياتهم الخاصة وكرامتهم. وقد أسهمت هذه الوقائع في تسليط الضوء على هشاشة الفضاء الرقمي وغياب الضوابط الأخلاقية لدى بعض صناع المحتوى الذين اتخذوا من المنصات الرقمية وسيلة للربح السريع ولو على حساب القانون والأعراف الاجتماعية.

تأتي هذه المتابعات في ظل استناد السلطات إلى مقتضيات قانونية حديثة، خاصة التعديلات المرتبطة بالفصول 447-1 وما يليها من القانون الجنائي، والتي تجرّم التقاط أو تسجيل أو بث صور أو محادثات أو بيانات شخصية لأفراد دون إذنهم، أو استعمال محتوى يمس بسمعتهم أو حياتهم الخاصة. كما تجرّم النصوص القانونية نشر ادعاءات كاذبة أو التشهير أو الإهانة عبر الوسائط الرقمية، سواء كان صاحب الفعل مؤثرا أو مستخدما عاديا.

وخلال الأيام الماضية، أثارت قضية شخص معروف ب “ مول الحوت” جدلا واسعا بعد تداوله لفيديو يُظهر فيه أستاذا دون موافقته، مرفقا بتعليقات اعتبرها كثيرون إهانة واضحة لنساء ورجال التعليم. الأمر الذي دفع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة بمراكش، إلى تقديم شكاية رسمية تطالب فيها بفتح تحقيق قضائي، معتبرة أن الواقعة تمثل انتهاكا صارخا لحق الأستاذ في الكرامة والحياة الخاصة، وأن ما تم نشره يدخل ضمن الأفعال المعاقب عليها قانونيا وفق التشريعات الجاري بها العمل.

وقد لقيت هذه الحملة الرسمية إشادة واسعة من شريحة كبيرة من المغاربة، الذين اعتبروا أن الوقت قد حان لوضع حد للفوضى الرقمية التي حولت جزءا من المحتوى المنشور على المنصات الاجتماعية إلى فضاء للتحقير والابتزاز والتشهير و”خلق البوز” بأي ثمن، ولو على حساب الاعتبار الشخصي والاحترام المتبادل. في المقابل، يرى عدد من الحقوقيين أن هذه المتابعات يجب أن تترافق مع جهود توعوية هدفها تعزيز التربية الرقمية والمسؤولية المدنية، حتى لا يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للعنف الرمزي والمحتوى المسيء.

وتستمر النقاشات على مواقع التواصل حول ضرورة تنظيم المحتوى الرقمي ووضع ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة تحدد مسؤولية من يستعمل المنصات الاجتماعية، بما يحمي كرامة الأفراد ويصون حياتهم الخاصة ويحافظ على حرية التعبير في إطارها القانوني السليم. وبينما يرى البعض أن ما يحدث حملة ضرورية لتصحيح المسار، يعتبر آخرون أنه بداية مرحلة جديدة تخضع المحتوى الرقمي للمساءلة، وتضع حدا لاستخدام شهرة الإنترنت كسلاح للإساءة والتشهير دون عقاب.

Comments (0)
Add Comment