بقلم: عبد الهادي بريويك
في زمن يُفترض أنه زمن الديموقراطية والتعددية واحترام الرأي الآخر، ما تزال بعض العقليات تتشبث بأساليب لا تختلف كثيرا عن ممارسات “الجاهلية”، حيث الغلبة لمن يرفع الصوت أعلى، لا لمن يقدم الحجة الأقوى. ومن المؤسف أن نرى اليوم مظاهر هذه “النعرة الجاهلية الحديثة” تتجلى في حملات منظمة تستهدف قوى سياسية وطنية، أبرزها حزب التقدم والاشتراكية، عبر أبواق مأجورة ومنابر إعلامية مشبوهة، لا همّ لها سوى تشويه الصورة والنَّيل من المواقف المبدئية.
النعرة الجاهلية: تحالف الجهل والهيمنة
النعرة الجاهلية، في مفهومها التاريخي، كانت تعبيرا عن التفاخر الأجوف بالقبيلة والنسب والانتماء الضيق، ورفضا للعدل والمساواة باسم “الأعراف”. أما اليوم، فقد عادت هذه النعرة بلباس جديد: إذ تحوّلت إلى نوع من التعصب السياسي والإعلامي، مدفوعٍ بحسابات سلطوية ضيقة، تعتبر كل صوت معارض تهديدا يجب قمعه أو تسفيهه.
في هذا السياق، يتعرض حزب التقدم والاشتراكية، ذو الامتداد التاريخي والنضالي العريق، لحملات ممنهجة تهدف إلى تبخيس أدواره، وتزييف مواقفه، بل وتشويه رموزه.
أبواق مأجورة وأقلام لا تستحي
ليس جديدًا أن تتكلف بعض المنابر، والمواقع التواصلية المجهولة الهوية المختبئة وراء أقنعة مكشوفة، المعروفة بارتباطها بمصالح معيّنة، بمهمة تسويق الخطاب السلطوي والترويج لرواية رسمية جاهزة. لكن المستجد والمثير للاستياء، هو انحدار الخطاب إلى مستويات من الرداءة والسوقية، توظف فيها الأكاذيب، والافتراءات، والإيحاءات المشبوهة، من أجل ضرب حزب ما يزال يُصرّ على أن يكون صوتًا مستقلًا، صادحًا بالحق، مدافعًا عن العدالة الاجتماعية، وعن الديموقراطية الحقيقية.
هذه الأبواق، مهما تنوعت أشكالها، تلتقي على هدف واحد: إسكات الصوت المزعج الذي يفضح الفساد، ويقاوم الردة الديموقراطية، ويرفض أن يكون شاهد زور في مشهد سياسي يزداد غموضًا.
حزب التقدم والاشتراكية: الثبات في زمن التماهي
رغم كل محاولات الحصار السياسي والإعلامي، يظل حزب التقدم والاشتراكية وفيًا لتاريخه، متمسكًا بخط نضالي واضح، لا يساوم على المبادئ. لا يُغير مواقفه حسب اتجاه الرياح، ولا ينخرط في “صفقات صامتة” على حساب المصلحة الوطنية. وهذا ما يفسر إلى حد كبير حجم الهجوم عليه، فالصوت المستقل مزعج، والكلمة الحرة تؤلم.
المعركة أعمق من مجرد انتقاد
ما يجري ليس مجرد اختلاف سياسي طبيعي، بل محاولة لترهيب كل من يجرؤ على التفكير خارج النسق المفروض. النعرة الجاهلية الحديثة ليست مجرد مسألة لغة أو أسلوب، بل تجسيد لنزعة استبدادية تعادي التنوع والاختلاف. وبالتالي، فإن الدفاع عن حزب التقدم والاشتراكية اليوم، ليس دفاعًا عن تنظيم سياسي فحسب، بل عن حق الاختلاف، وعن حرية التعبير، وعن مستقبل ديموقراطي يستحقه هذا الوطن.