*المواطن لم يعد يشتري الكلام!* .

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

قبل أن يصل المرشح إلى صندوق الإقتراع، يصل المواطن إلى صندوق آخر: «صندوق السوق»، وهناك لا تنفعه الخطب، ولا الشعارات، ولا الوعود الإنتخابية… لأن الأسعار لا تصوت، والفواتير لا تجامل، والراتب يعرف جيدا إلى أين يذهب.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للإنتخابات المغربية.
فالمواطن الذي يخرج اليوم إلى السوق ويكتشف أن قدرته الشرائية تتراجع، ثم يسمع غدا خطابا ٱنتخابيا يعده بمستقبل أفضل، من حقه أن يسأل ببساطة:
– من سيدفع ثمن هذا المستقبل؟
– ومتى سألمس أثره في حياتي؟

الإنتخابات ليست مهرجانا للصور والإبتسامات، إنها لحظة حساب سياسي.
فالغلاء ليس رقما في تقرير ٱقتصادي، بل خبز على مائدة، ولتر زيت، وكيلوغرام لحم، وفاتورة كهرباء، ومصاريف مدرسة، ودواء، وكراء منزل… وكل درهم إضافي في هذه الفواتير يتحول، بطريقة أو بأخرى، إلى سؤال ٱنتخابي.
قد تقول الحكومة إن ٱرتفاع الأسعار مرتبط بعوامل دولية، وقد تكون لذلك أسبابه الإقتصادية الموضوعية.. لكن المواطن لا يعيش داخل نشرات الإقتصاد العالمي، إنه يعيش داخل ميزانية أسرته.
وهنا تحديدا تصبح السياسة مطالبة بالجواب.
لأن مسؤولية الحكومة، دستوريا وسياسيا، لا تعني أنها تتحكم في كل سعر، ولا أن كل غلاء يمكن نسبته إليها مباشرة، لكنها تعني أن من حق المواطن أن يسأل عن السياسات المتخذة لحماية قدرته الشرائية، وعن فعاليتها، وعن نتائجها، وعن البدائل الممكنة.
وفي المقابل، على الأحزاب التي تستعد لطلب أصوات المغاربة ألا تتعامل مع الغلاء بٱعتباره مادة ٱنتخابية جاهزة للإستهلاك.
لا يكفي أن يقول هذا الحزب إن الحكومة فشلت، أو يقول ذاك إنها نجحت.
المطلوب هو الأرقام، والبرامج، والبدائل، والقدرة على التنفيذ.
فالمواطن لم يعد يريد سماع عبارة «سنحارب الغلاء» ثم يعود إلى السوق ليكتشف أن الأسعار لم تسمع بالخبر.
ولم يعد يقبل أن تتحول معاناته اليومية إلى مادة للمزايدة بين الأحزاب.
الإنتخابات المقبلة يجب أن تكون ٱمتحانا للحصيلة قبل أن تكون ٱمتحانا للشعارات.
من كان في موقع المسؤولية عليه أن يشرح:
ماذا أنجز؟
ومن أخفق؟
ولماذا أخفق؟
وماذا سيفعل لتصحيح المسار؟

ومن كان في المعارضة عليه أن يقدم بديلا قابلا للتطبيق، لا مجرد لائحة ٱتهامات.
أما المواطن، فعليه أن يتذكر أن الورقة التي يضعها في الصندوق لا تنتهي مهمتها لحظة إعلان النتائج.. إنها تمنح تفويضا سياسيا، والتفويض يقتضي المحاسبة.
«ماشي غير نهار الإنتخابات اللي المواطن كيولي مهم»، فالذي يطلب صوت المواطن اليوم، عليه أن يتذكر أنه سيحتاج إلى ثقته غدا أيضا.
وإذا كان السياسي يقيس الإنتخابات بعدد المقاعد، فإن المواطن يقيسها بعدد الأيام التي يستطيع فيها أن يعيش بكرامة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
«قد ينجح حزب في الوصول إلى البرلمان، لكن نجاحه الحقيقي يبدأ عندما يستطيع المواطن أن يقول بعد سنوات من التصويت: نعم، تغير شيء في حياتي».

أما إذا بقيت الأسعار تصعد، والدخل يلاحقها من الخلف، والوعود تركض أمامهما، فستصبح الإنتخابات مجرد موعد دوري لتجديد الكلام.
وفي الديمقراطية، لا تكفي شرعية الصندوق وحدها، فالشرعية السياسية تحتاج دائما إلى ٱختبار الواقع.
والواقع المغربي اليوم لا يسأل المرشحين فقط:
– ماذا ستفعلون؟
بل يسألهم، وبصوت أعلى:
– ماذا فعلتم بما سبق أن وعدتم به؟

فالمواطن لم يعد يشتري الكلام… لأنه ببساطة أصبح أغلى من أن يدفع ثمنه مرة أخرى.

Comments (0)
Add Comment