المنصوري… بين نظافة اليد ومكر السياسة: حين انتصر العقل على العنف في مراكش

في عز حراك 20 فبراير، حين كانت الاحتجاجات تعصف بعدد من المؤسسات والوجوه السياسية في مختلف مدن المغرب، لم تكن مدينة مراكش بمعزل عن هذا الحراك المتقد. ففي أحد أيام تلك المرحلة الساخنة، تداول نشطاء الحراك والمكونات السياسية قرارا بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر المجلس الجماعي للمدينة، بعد تغطية إعلامية واسعة أعلنت عن التعبئة الجماهيرية للوقفة، حتى أن صحيفتي “الصباح” و”المساء” أفردتا لها حيزا بارزا في صفحاتهما الأولى.

لكن خلف الكواليس، كانت هناك محاولة لركوب الموجة من طرف عناصر مشبوهة، هدفها إفراغ الحراك من مضمونه النضالي وتحويله إلى مجرد حالة من الفوضى والتخريب. فقد بلغ إلى علم نشطاء الحراك أن بعض المجموعات التخريبية شرعت في حشد عناصرها لحضور الوقفة بأهداف غير شريفة، ما دفع عددا من الفاعلين الحقيقيين إلى دق ناقوس الخطر.

في لحظة من الحكمة السياسية، تم استدعاء مناضلي حركة 20 فبراير إلى اجتماع مستعجل بمقر الحزب الاشتراكي الموحد آنذاك، بحضور عدد من الفاعلين الحقوقيين من الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب. وقد كان النقاش حاسما، خاصة أن فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة المدينة، لم تكن أبدا ضمن لائحة الأسماء المتورطة في ملفات الفساد التي كانت الهيئة تتابعها أمام القضاء، بل لم يرد اسمها لا تلميحا ولا تصريحا ضمن العشرات من الملفات الموضوعة لدى المحكمة.

وفي هذا السياق، جاء تدخل عدد من النشطاء، وعلى رأسهم مناضلون معروفون بنزاهتهم، للتأكيد على أن المنصوري لم يثبت في حقها أي ملف فساد، بل كانت نموذجا مختلفا، لا علاقة له برجال الأعمال الانتهازيين ولا بالمفسدين الذين اعتادوا نهب المال العام. بل إن تدخلنا كان واضحا: نريد حماية المدينة، وليس التخريب من أجل التخريب.

كان القرار التاريخي في اليوم الموالي: تحويل الوقفة من أمام مقر المجلس الجماعي إلى ساحة الكتبية. قرار أربك بعض الأطراف التي كانت تتحين الفرصة لتصفية حساباتها مع المجلس وتخريب أرشيفه والوثائق التي تحفظ مصالح المواطنين.

اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على تلك الوقفة التي لم تنفذ في شكلها الأول، يتساءل البعض: هل كانت فاطمة الزهراء المنصوري فاسدة آنذاك؟ وإذا لم تكن كذلك، فلماذا يراد اليوم شيطنتها في خطاب سياسي يعاني من متلازمة النسيان وازدواجية المعايير؟ أليس من المفارقات أن تستهدف اليوم امرأة شهد لها خصومها قبل أصدقائها بنظافة اليد، في زمن شعار “عفا الله عما سلف”؟

إن الحقيقة الثابتة، أن عمدة مراكش، منذ انتخابها سنة 2009 ثم إعادة انتخابها سنة 2021، لم تذكر يوما في ملفات النهب أو الفساد، بل كانت استثناء في مشهد سياسي يئن تحت وطأة الزبونية والمصالح الضيقة. وبين من يحاول إعادة كتابة التاريخ وفق أهوائه، تبقى الوقائع شاهدة… والضمير الشعبي لا يشترى.

Comments (1)
Add Comment
  • عزيز اللاجي

    أتحدث هنا عن فترة حراك 20 فبراير، التي تميزت بتقاطع نضالات الشارع مع ملفات الفساد التي كانت ترد علينا في الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب. كنت حينها عضوا في مكتب الهيئة، ومناضلا في صفوف الحزب الاشتراكي الموحد، ومديرا لجريدة “قضايا مراكش”، التي كانت تعد ثاني أبرز جريدة إلكترونية بالمدينة بعد “المراكشية”، وكان لها حضور مؤثر في الساحة الإعلامية والسياسية.
    أؤكد أنني لم أطلب يوما مالا أو امتيازا من أي جهة، وهو أمر يشهد به كل من عرفني عن قرب. حضرت النقاشات التي كانت تعقد بمقر الحزب في تلك الفترة، وأدلي اليوم بشهادتي للتاريخ، بعيدا عن أي مزايدات أو حسابات سياسية.