بيان مراكش / الصديق أيت يدار
يشهد التاريخ أن المغاربة، في وطنهم أو في أوطان الغير، كرماء في ساعات اليسر واللحظات العادية، أما في زمن المحن والأوقات العصيبة فإن كرمهم يكون أكبر.
الكرم لدى المغاربة هو قيمة راسخة تضرب جذورها في عمق التاريخ، وتنبض بها الحياة اليومية في كل المناسبات، الكبيرة والصغيرة والحزينة والسارة، لذا فالمغربي لا يفتح بيته لأخيه الإنسان فحسب، بل يفتح قلبه أيضا، مقدما ما تيسر بحب واعتزاز، وكأن الكرم عهد مقدس توارثه من جيل إلى آخر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
من القرى الجبلية والمداشر البعيدة إلى المدن العتيقة والأحياء الراقية، يظل الكرم المغربي لغة إنسانية صامتة، تعبر عن أصالة شعب يرى في العطاء شرفا وفي مشاركة الخير عنوانا للهوية، والأدل على ذلك وقوفهم وقفة رجل واحد لمساعدة المتضررين من الفيضانات، التي ضربت إخوانهم في الشمال والغرب، في مشهد يثلج الصدور وينم على أن هذا الشعب يكتنز من الخير ما يكفي لمواجهة المحن بكل صبر وأناة، وأن التضامن إحدى القيم الراسخة في الوجدان المغربي، حيث أعاد المغاربة تأكيد معنى التآزر والتكافل، أفرادا ومؤسسات، في مشاهد إنسانية تختزل روح الوطن الواحد.
وإذا كان جود المغاربة وكرمهم يشهد به الخصم قبل الصديق، فإن شهادة التاريخ أقوى وسجله حافل بالمناسبات التي هب فيها المغاربة هبة واحدة للوقوف إلى جانب إخوانهم المتضررين، كل حسب مقدرته، ففي تاريخ المغرب الحديث والقديم، تتكرر صور التضامن والتكافل كلما حلت المحن، وكأنها سلوك جماعي متجذر دأب عليه الأجداد وورثوه للأبناء وهكذا دواليك.
ومن الأمثلة القريبة التي أبان فيها المغاربة عن توادهم وتضامنهم، جائحة كوفيد ــ19، التي فرضت وضعا استثنائيا قاسيا، كانت تداعياته صعبة على القدرة الشرائية للناس، وخاصة الطبقات الفقيرة، مما دفع من لهم القدرة إلى الاجتهاد في أبواب البر، فمنهم من انخرط في مبادرات توزيع القفف الغذائية، ومنهم من تطوع لدعم المسنين والمحتاجين، خصوصا في المناطق النائية.
لكن يبقى أقرب مثال لكرم المغاربة، هو الزلزال المدمر، الذي ضرب إقليم الحوز قبل سنتين ونصف، ففي هذا الحدث الجلل، توحدت الجهود بشكل غير مسبوق، وتدفقت القوافل من مختلف المدن، حاملة الغذاء والدواء والأغطية، وتطوع شباب ونساء في الإغاثة والدعم النفسي. كما لعبت السلطات دورا محوريا في الإنقاذ وإعادة الإيواء، بينما تكفلت جمعيات المجتمع المدني بسد الثغرات والوصول إلى الدواوير النائية. كان المشهد رسالة واضحة: المحنة تقابلها وحدة الصف.
وعندما اجتاحت الفيضانات مدينة القصر الكبير، عادت صور التضامن نفسها إلى الواجهة، حيث فتحت البيوت أبوابها للمتضررين، وتم تنظيم حملات تبرع عاجلة، وتدخلت فرق الإنقاذ لإجلاء العالقين وإيوائهم في أماكن آمنة، فلم تكن الاستجابة مجرد رد فعل آني، بل امتدادا لثقافة راسخة ترى في نجدة المحتاج واجبا وطنيا وأخلاقيا.
من جائحة “كورونا” ومرورا بالحوز إلى القصر الكبير والأمثلة قبل ذلك كثيرة، برهن المغاربة أن الكرم والتضامن ليس شعارا عابرا، بل ممارسة يومية تتجدد مع كل اختبار، إنها قوة المجتمع التي تخفف وطأة المحن والكوارث، وتعيد بناء الأمل قبل الحجر، وتؤكد أن المغرب، في الشدائد، قلب واحد بنبض واحد.