✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
حين نتأمل المشهد المغربي ونحن نقترب من أفق سنة 2030، نجد أنفسنا أمام لوحة مركبة تتداخل فيها الطموحات الكبرى مع تعثرات الواقع.
فالدولة تعلن عن مشاريع إصلاحية واسعة، وتطلق أوراشا ٱستراتيجية كبرى، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:
– هل يواكب التدبير الحكومي حجم هذه الطموحات؟
– أم أن بعض الأوراش تحولت إلى شعارات سياسية أكثر منها مشاريع مكتملة الأثر؟
لقد دخل المغرب خلال العقد الأخير مرحلة من التحولات العميقة، عنوانها الأبرز «بناء نموذج تنموي جديد»، يقوم على العدالة الإجتماعية والإندماج الإقتصادي، غير أن الطريق نحو هذا الهدف ما يزال محفوفا بتحديات بنيوية، تتعلق أساسا بفعالية السياسات العمومية، وبقدرة المؤسسات التنفيذية على تنزيل الأوراش الكبرى بروح المسؤولية والنجاعة.
ٱقتصاديا، ٱستطاع المغرب تحقيق مكاسب مهمة في بعض القطاعات الصناعية والخدماتية، كما نجح في ٱستقطاب ٱستثمارات دولية وازنة، خاصة في مجالات السيارات والطيران والطاقات المتجددة.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعكس دائما الواقع المعيشي للمواطن المغربي، الذي أصبح يواجه ضغوطا متزايدة بفعل غلاء المعيشة وٱرتفاع الأسعار.
فقد تراجعت القدرة الشرائية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وأصبح المواطن يجد صعوبة متزايدة في التوفيق بين الدخل المحدود وتكاليف الحياة اليومية المتصاعدة.
ولم يعد هذا الضغط مقتصرا على الفئات الهشة، بل ٱمتد ليطال حتى الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل تقليديا العمود الفقري للٱستقرار الإجتماعي.
وفي السياق الإقتصادي نفسه، يبرز سؤال مهم يتعلق بالسياسة السياحية الوطنية. فالمغرب بلد غني بمدنه التاريخية وتراثه الحضاري، غير أن تسويق هذا التنوع السياحي لا يزال يطرح علامات ٱستفهام.
فعلى سبيل المثال، تبقى (مدينة فاس)، بما تحمله من إرث حضاري عريق ومعالم تاريخية فريدة، واحدة من أقدم العواصم الثقافية في العالم الإسلامي.
ومع ذلك، يلاحظ المتتبع أن حضورها في الحملات الترويجية السياحية الدولية لا يرقى دائما إلى مستوى ما تحظى به مدن أخرى مثل:
(طنجة أو مراكش أو أكادير)،
رغم أن فاس تختزن إمكانات سياحية وثقافية كبيرة قادرة على جذب ملايين الزوار إذا ما تم تسويقها بالشكل اللائق.
إن مدينة مثل فاس ليست مجرد وجهة سياحية عادية، بل هي ذاكرة حضارية حية، وجامعة تاريخية، وحاضرة للعلم والفن والصناعة التقليدية… غير أن ضعف الترويج، وقلة الإستثمار في البنية السياحية والثقافية المرتبطة بها، جعلاها أحيانا خارج دائرة الإهتمام الدولي بالشكل الذي تستحقه.
كما أن الحديث عن السياحة لا يكتمل دون التطرق إلى السياحة الداخلية التي يفترض أن تكون رافعة أساسية لتنشيط الإقتصاد الوطني وتعزيز ٱرتباط المواطن ببلده.
غير أن هذه السياحة بدورها أصبحت تواجه تحديات حقيقية، أبرزها الإرتفاع الكبير في الأسعار خلال فترات الصيف والمواسم السياحية.
فكثير من المغاربة أصبحوا يعبرون عن دهشتهم من تكاليف الإقامة والخدمات في بعض الوجهات السياحية الوطنية، والتي قد تتجاوز أحيانا أسعار وجهات أوروبية، مثل الجارة (إسپانيا) على سبيل المثال لا الحصر.
وهو وضع يطرح تساؤلات حول غياب المراقبة الصارمة للأسعار، وحول الحاجة إلى تنظيم القطاع بشكل يضمن توازنا بين مصلحة المستثمرين وحق المواطن في الإستفادة من بلده بأسعار معقولة.
إن تشجيع السياحة الداخلية لا يمكن أن يتم فقط عبر الخطاب الإعلامي، بل يتطلب سياسات عملية تقوم على ضبط الأسعار، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الرقابة على الممارسات التي قد تضر بصورة القطاع السياحي الوطني.
أما على المستوى الإجتماعي، فقد أُطلق أحد أكبر الأوراش الإصلاحية في تاريخ المغرب الحديث، وهو ورش تعميم الحماية الإجتماعية الذي جاء بتوجيهات ملكية واضحة تروم بناء دولة ٱجتماعية تضمن الكرامة للمواطن.
غير أن تنزيل هذا الورش الطموح ما يزال يواجه صعوبات متعددة، خاصة في ما يتعلق بآليات الإستهداف وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
وفي السياق نفسه، يبرز ملف إعادة إعمار مناطق الحوز التي تضررت جراء الزلزال كأحد أبرز الإختبارات الحقيقية لمدى فعالية التدبير العمومي.
فقد تم إطلاق برنامج ملكي كبير لإعادة إعمار هذه المناطق وإعادة إسكان المتضررين في ظروف تحفظ كرامتهم، غير أن الواقع الميداني ما يزال يكشف عن صور مؤلمة لعدد من الأسر التي تعيش في خيام أو مساكن مؤقتة هشة، تواجه قساوة الشتاء وبرودة الجبال وتساقط الثلوج، وتفترش الأرض والحجر في ٱنتظار أن يتحقق وعد إعادة الإعمار.
إن هذا الورش الإنساني الكبير كان يفترض أن يشكل نموذجا للسرعة والفعالية في التدخل، غير أن بطء التنفيذ في بعض المناطق جعل معاناة المتضررين تمتد زمنيا، وأثار تساؤلات عديدة حول مدى نجاعة آليات التدبير والمتابعة لدى الجهات المعنية.
والمفارقة التي لا تخفى على المتتبعين أن عددا من الأوراش الكبرى التي أطلقت بإرادة ملكية واضحة، تحولت في الخطاب السياسي لبعض المسؤولين إلى إنجازات حكومية خالصة، في حين أن الدور الحقيقي للحكومة يفترض أن يظل أساسا في التنزيل الفعلي والناجع لهذه التوجيهات الملكية.
وإن إحدى القضايا الأكثر حساسية في النقاش العمومي المغربي تظل مرتبطة بملف المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فطيلة سنوات طويلة، ظل شعار محاربة الفساد حاضرا في الخطاب الرسمي، غير أن الواقع أحيانا يعكس بطئا في تفعيل آليات المحاسبة.
وقد أصبح مصطلح (عفا الله عما سلف)، متداولا في النقاش العمومي بٱعتباره رمزا لمرحلة شعر خلالها جزء من الرأي العام بأن بعض الإختلالات مرت دون مساءلة كافية.
وهو أمر يرى كثير من المواطنين أنه يكلف الدولة أو بالأحرى المواطن دافع الضرائب أثمانا باهظة، حين تهدر الموارد العمومية في مشاريع متعثرة أو تدبيرات غير رشيدة دون مساءلة حازمة.
سياسيا، يبدو المشهد المغربي مستقرا من حيث المؤسسات، لكنه يعاني من نوع من الفتور في العلاقة بين المواطن والعمل السياسي.
فالثقة في الخطاب الحزبي تراجعت نسبيا، وأصبحت فئات واسعة من المجتمع تنظر إلى السياسة بكثير من الحذر، خاصة حين لا تترجم الوعود إلى نتائج ملموسة في الواقع.
أما ثقافيا، فإن المغرب يمتلك رصيدا حضاريا وتاريخيا غنيا يعكسه تنوع روافده الثقافية، غير أن الثقافة ما تزال في كثير من الأحيان تختزل في المهرجانات والأنشطة الموسمية، بدل أن تتحول إلى مشروع وطني متكامل يسهم في بناء الوعي وتعزيز الإبداع والمعرفة.
ورغم كل هذه التحديات، يظل المغرب بلدا يمتلك مقومات قوية للنجاح في أفق 2030.
فٱستقراره المؤسساتي، وموقعه الجغرافي الإستراتيجي، وتنوعه الثقافي، إضافة إلى طاقاته البشرية الشابة، كلها عناصر تمنحه فرصا حقيقية لتعزيز مكانته إقليميا ودوليا.
غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب قبل كل شيء حكامة رشيدة، ومحاسبة فعلية، وتسريعا في تنزيل الأوراش الكبرى، وإعطاء الأولوية الحقيقية للقطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وعلى رأسها التعليم والصحة.
فالأمم لا تنهض بكثرة المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على إنجازها بكفاءة وعدالة.
ولا يمكن لأي نموذج تنموي أن ينجح إذا لم يشعر المواطن بأن ثمار التنمية تصل إليه فعلا، وأن المال العام يدار بأقصى درجات المسؤولية.
وعندها فقط يمكن أن يتحول أفق 2030 من مجرد موعد زمني في الأجندة السياسية إلى محطة تاريخية حقيقية يلتقي فيها طموح الدولة مع تطلعات المجتمع، في مغرب أكثر عدلاً وكرامة وتوازناً.