تنطفئ الأضواء في قطاع غزة – صيف 2014. وعلى غرار القنوات التلفزية، يقول لسان حال الطائرات الحربية المغيرة “فاصل ونواصل”. فاصل من “دقيقة” ويسمع أزيزها ثانية في سماء القطاع قبل أن تعاود غاراتها الجهنمية “عدنا”. وتزهق أرواح الأبرياء بالمئات. وتنهدم بيوت على رؤوس أهاليها من نساء وأطفال ومسنين.
و”دقيقة” هو عنوان الفيلم (11 دقيقة) الذي اختارته المخرجة الفلسطينية دينا ناصر لفيلمها، الذي تم عرضه أمس الخميس ضمن الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرحان طنجة للفيلم المتوسطي القصير، في نسخته الرابعة عشرة، التي تنظم من 10 إلى 15 أكتوبر الجاري.
و”دقيقة”، الذي صورته المخرجة وكتبت له السيناريو وأنجزت المونتاج أيضا فيما أنتجه برنامج دوكنوماد، هي المدة التي تطلبتها الرسالة الهاتفية القصيرة التي بعثت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي لسكان حي الشجاعية في غزة على هواتفهم النقالة ليغادروا بيوتهم حالا حتى تنفرد الطائرات الحريية بالمقاومين.
ويتسع صدر النازيين الجدد لمزيد من الوقت، فيسمحون بخمس دقائق في رسائلهم الفصيرة على هواتف المواطنين الغزاويين، ليسحب هؤلاء أطفالهم ومرضاهم وليلموا أغراضهم على عجل ويغادروا بيوتهم بما فيها قبل أن تنقض عليها القذائف لمحو آثارها.
يسود الظلام، وتنقطع خيوط الهاتف . وتجعل “سلام” (37 سنة) من بيتها ملجأ لحماية نفسها وطفلتها علياء، زوجها عمر غائب وهاتفه لا يجيب . لا يقول الفيلم أين هو ، لكن السياق يقوله. عمر يسهم في رد العدوان. يجيب حين يصير ممكنا أن يفعل … عمر حي ، ما زال الأمل قائما إذن .
بعد كل غارة ، لما يبتعد أزيز الطائرات الحربية للتزود بالوقود استعدادا للجولة القادمة ، يطرق الجيران الأبواب. يسألون عن الحال .النسيج العلائقي متماسك في المجتمع. طريقة أخرى للمقاومة. في ختام الفيلم حصيلة للضحايا الفلسطينيين في أعقاب خمسين يوما من الحرب على قطاع غزة، فمن أصل 2147 شهيدا ، 81 في المائة من المدنيين طبقا لمصادر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان. انتصرت الآلة العسكرية الصهيونية، إذن، على مئات الرضع والصبيان والعجائز والشيوخ. شخصت أدوار فيلم “دقيقة” لدينا ناصر كل من ربى حنون وعلياء داوود ومجد حجاوي. لكن الوجوه لا تظهر في الفيلم. وحدها الأصوات … أزيز الطائرات، بكاء الصغيرة. هدهدة الأم. واطمئنان الجارة . وصوت عمر على الهاتف دليل على أن الأمل ما زال قائما. وأن نيرون مات ولم تمت روما.