الفساد في المغرب: حوار عائلي يكشف الواقع ويبرز آفاق الإصلاح

بقلم سمير بوزيد، نائب رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام سابقًا وأحد مؤسسيها

مشاركة من منبر بيان مراكش في تسليط الضوء على النقاش الحالي حول محاربة الفساد و التحسيس الأسري بخطورة هذه الآفة جاءت هذه المحاولة

تمهيد
يلعب الإعلام دورًا أساسيًا في مكافحة الفساد من خلال رفع الوعي وتحفيز المشاركة المجتمعية. فهو ينقل الحقائق ويكشف التجاوزات، ويساهم في تعزيز الشفافية والمساءلة عبر تقارير دقيقة وفعاليات توعوية. كما يوفر منصات للحوار بين الخبراء والمواطنين، ويبرز قصص النجاح التي تشجع على الانخراط في جهود الإصلاح. بهذا، يصبح الإعلام شريكًا فاعلًا في بناء مجتمع نزيه وعادل.

في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، يظل الفساد أحد أبرز العقبات التي تعيق التنمية والعدالة الاجتماعية. ليس الفساد مجرد تجاوزات إدارية أو سياسية، بل واقع يؤثر مباشرة على حياة الشباب والنساء والفئات الهشة، ويحد من فرصهم في التعليم والعمل والحصول على حقوقهم الأساسية. لذلك، أصبح فهم آليات مكافحة الفساد، ودور كل فرد في المجتمع، ضرورة لبناء وطن نزيه وعادل.

في هذا الحوار العائلي الدافئ، يتبادل الأب والأم مع الشاب والشابة الحديث حول واقع الفساد في المغرب، مستندين إلى معطيات وتقارير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024، التي تكشف عن إنجازات وتحديات متشابكة، مع استعراض دور المجتمع المدني والإعلام في هذه المعركة الوطنية، بحسب رؤية الحقوقي سمير بوزيد.

الأب: «أحببت أن أبدأ معكم بمعلومة مهمة من تقرير المجلس الأعلى للحسابات. خلال السنة الماضية، أصدرت المحاكم المالية 3951 قرارًا، منها 3190 قرارًا بإبراء الذمة، و761 قرارًا بعجز مالي بقيمة تقارب 55 مليون درهم. والأهم أن الأجهزة المختصة استرجعت أكثر من 28 مليون درهم قبل صدور الأحكام النهائية. هذه مؤشرات مهمة على جدية الدولة في محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.»

الشابة: «هذه الأرقام تبدو جيدة على الورق، لكن الواقع الذي نعيشه مختلف تمامًا. البطالة بين الشباب تجاوزت 35%، والفساد ما زال يعرقل فرص العمل والاستثمار. كيف نصدق أن هناك تقدمًا بينما شبابنا يعاني؟»

الشاب: «وأضيف أن نسبة تنفيذ توصيات المجلس لا تتجاوز 44% تنفيذًا كليًا و37% تنفيذًا جزئيًا. يعني أكثر من نصف التوصيات لا تُنفذ. هذا يثير الشكوك حول فعالية الرقابة.»

الأم: «صحيح، المجلس أشار إلى أن ضعف التنسيق بين المؤسسات وقلة الموارد يعرقل التنفيذ. لكن لا يمكننا إنكار أن هناك ملفات فساد أُحيلت إلى القضاء، وهذا مؤشر إيجابي. مثلاً، في جهة فاس مكناس، تم إحالة ملفات فساد في صفقات عمومية لمتابعة قضائية.»

الأب: «هذا يدل على جدية الدولة. كما أوصى المجلس بتطوير منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، ووضع نظام إلكتروني لمراقبة التصريحات مع فرض عقوبات على المخالفين. هذه خطوات مهمة للوقاية من الفساد.»

الشابة: «لكن الفساد ليس فقط في الإدارة، بل حتى في السياسة. التقرير كشف أن الأحزاب السياسية يجب أن تسترجع 22 مليون درهم لأنها لم تبرر نفقاتها، و21 منتخبًا تمت إحالتهم إلى المحاكم الإدارية بسبب تقصيرهم. هذا يدل على اختراق الفساد للمؤسسات.»

الشاب: «وزيد على ذلك، المغرب تراجع في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 99 عالميًا في 2024، وهذا يثير تساؤلات كثيرة حول فعالية الإصلاحات.»

الأم: «المؤشرات الدولية تعكس تحديات كبيرة، لكن المجلس الأعلى للحسابات يؤكد ضرورة تعزيز استقلالية المحاكم المالية، وتحسين الأداء العمومي، ودعم التعاون الدولي في مكافحة الفساد.»

الأب: «هناك إرادة ملكية واضحة لمحاربة الفساد، مع إطلاق استراتيجيات وطنية وبرامج عمل مستمرة، وهذا دليل على جدية الدولة.»

الشابة: «لكن كيف نفسر استمرار ظاهرة الرشوة في الحياة اليومية؟ كثير من الناس يضطرون لدفعها للحصول على خدمات بسيطة، وهذا يؤثر بشدة على النساء والفئات الهشة.»

الأب: «لهذا السبب تم إطلاق تطبيقات إلكترونية مثل “نزاهة” و”معرفة” لتسهيل الإبلاغ عن الفساد، مع وجود خط ساخن مجاني. كما أن القانون 20-22 يوفر حماية للمبلغين، مما يعزز ثقافة الشفافية.»

الشاب: «هل المواطن العادي يثق بهذه الآليات؟ وهل هناك ضمانات حقيقية لحمايته من الانتقام؟»

الأم: «الحماية القانونية موجودة، لكن التطبيق يحتاج إلى تقوية. الثقة تبنى مع الوقت، ويجب أن يكون المجتمع داعمًا للمبلغين.»

الشابة: «المشكلة أعمق من ذلك، فالفساد مرتبط بالمحسوبية وضعف المؤسسات، وحتى الانتخابات ليست نزيهة بالكامل. المجلس كشف عن أموال غير مبررة لدى أحزاب، وهذا يؤثر على ثقة الناس في النظام السياسي.»

الأب: «هذه مؤشرات على وجود رقابة فعالة، والدولة تسعى لتصحيح المسار. لا يمكن أن ننتظر الكمال، لكن المهم هو الاستمرار في الإصلاحات.»

الشاب: «وماذا عن الاقتصاد غير المهيكل؟ هل هناك خطة لدمجه في الاقتصاد الرسمي؟»

الأم: «المجلس الأعلى للحسابات يؤكد ضرورة معالجة هذا الملف، لأنه مرتبط بالفساد والتهرب الضريبي. الحكومة تدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لكن التحديات كبيرة.»

الأب: «وأؤمن أن كل فرد منا مسؤول. عندما نرفض دفع رشوة ونصر على الشفافية، نكون جزءًا من الحل.»

الشابة: «كلامك جميل، لكن الإصلاح يحتاج إلى تغيير جذري وثقافي عميق.»

الأب: «الإصلاح يبدأ بالوعي والمشاركة. الأسرة، المدرسة، والإعلام شركاء في بناء مغرب نزيه.»

الأم: «حوارنا اليوم يعكس واقعًا معقدًا يحتاج إلى صبر وعمل جماعي.»

الشاب: «أتمنى أن نرى نتائج ملموسة قريبًا، لأن الشباب لا يمل الانتظار.»

الشابة: «وأطالب بمزيد من الشفافية والمحاسبة، وأن يكون صوتنا مسموعًا في كل مراحل الإصلاح.»

الأب: «معًا، وبإرادة مشتركة، سننجح في بناء مغرب أفضل.»

الشابة: «في تقرير المجلس الأعلى للحسابات على جهة طنجة تطوان الحسيمة، كشفوا عن اختلالات كبيرة في تدبير الصفقات العمومية، وتم إحالة ملفات على القضاء، وهذا يبين أن الفساد ليس قضية مركزية فقط، بل جهوية كذلك.»

الشاب: «وزيد على ذلك، التقرير بين أن ضعف التنسيق بين المصالح الجهوية والمحلية يعرقل تنفيذ المشاريع، وهذا يؤثر على جودة الخدمات وفرص التشغيل.»

الأم: «المجلس دعا إلى تحسين الحكامة الجهوية، وتقوية قدرات الهيئات الرقابية المحلية، وهذا ضروري لضمان فعالية مكافحة الفساد على المستوى القريب من المواطن.»

الأب: «وهذا يوضح أن الإصلاح يجب أن يكون شاملًا، من المركز إلى الجهات، مع إشراك المواطنين في المراقبة والمساءلة.»

الشابة: «هل تعتقد أن المواطن العادي له دور فعلي في هذه المعركة؟»

الأب: «بالطبع، المواطن هو العين واليد للدولة. عبر المنصات الإلكترونية، وخطوط الإبلاغ، والمشاركة في الانتخابات، كل واحد منا له دور.»

الشاب: «ولكن لكي يشارك المواطن، عليه أن يشعر أن صوته مسموع، وأن هناك حماية حقيقية له.»

الأم: «وهذا يتطلب بناء ثقافة جديدة للنزاهة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتدعمها وسائل الإعلام.»

الشابة: «مكافحة الفساد ليست مسؤولية الدولة فقط، بل مسؤوليتنا جميعًا. ولكن نحتاج إلى شفافية حقيقية، محاسبة صارمة، وإرادة سياسية قوية.»

الأب: «وأؤكد لكم أن الإرادة موجودة، وأن الطريق طويل، ولكن مع الوعي والمشاركة، سنصل إلى هدفنا.»

الشاب: «نتمنى أن نكون جزءًا من هذا التغيير، ونساهم في بناء مغرب نزيه وعادل.»

الأم: «الوعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير، وحوارنا اليوم دليل على ذلك.»

بهذا الحوار العائلي المتوازن والمبني على معطيات وتقارير رسمية، نرى بوضوح تحديات مكافحة الفساد في المغرب، والإنجازات التي تحققت، والدور الحيوي الذي يمكن لكل فرد أن يلعبه في هذه المعركة الوطنية. فمكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع بأسره، لتبني مغربًا أكثر شفافية وعدالة.

Comments (0)
Add Comment