الحكامة الترابية رهان مغربي لبناء تنمية أكثر قرباً وعدالة ونجاعة

لم تعد التنمية في المغرب تُقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات التي تُنجز، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى المواطن وتحسين ظروف عيشه والاستجابة الفعلية لحاجياته. ومن هذا المنطلق، برز إصلاح منظومة الحكامة الترابية باعتباره أحد الأوراش الأساسية في مسار تحديث الدولة وتعزيز فعالية العمل العمومي.
ويقوم هذا التوجه على إعادة الاعتبار للمجال الترابي باعتباره شريكاً أساسياً في صناعة التنمية، وليس مجرد فضاء لتطبيق قرارات يتم اتخاذها على المستوى المركزي. فلكل جهة خصوصياتها وإمكاناتها وإكراهاتها، الأمر الذي يجعل من الضروري اعتماد سياسات عمومية أكثر ارتباطاً بواقع السكان واحتياجاتهم اليومية.
وفي قلب هذا التحول، تأتي الجهوية المتقدمة باعتبارها خياراً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز دور الجهات والجماعات الترابية، وتمكينها من المساهمة بشكل أكبر في التخطيط والتنمية وجذب الاستثمار وتثمين الموارد المحلية.
فالغاية لا تقتصر على نقل بعض الاختصاصات من المركز إلى المجال الترابي، وإنما تتعلق ببناء نموذج جديد في تدبير الشأن العام، يقوم على القرب والفعالية والمشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتبرز العدالة المجالية كواحدة من أهم التحديات المطروحة في هذا المسار، خصوصاً في ظل تفاوت مستوى الخدمات والتجهيزات بين المناطق. فالمواطن، أينما كان موقعه، ينتظر الاستفادة من خدمات عمومية ذات جودة في مجالات أساسية مثل الصحة والتعليم والنقل والماء والسكن والتشغيل.
ومن هنا، فإن نجاح أي سياسة ترابية لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المشاريع المبرمجة أو الأموال المرصودة لها، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان، وبقدرتها على معالجة الاختلالات القائمة وتحقيق نتائج ملموسة.
ويتطلب ذلك اعتماد مقاربة جديدة تبدأ من تشخيص دقيق لحاجيات كل مجال، والاستماع إلى المواطنين والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، قبل تحديد الأولويات وبرمجة المشاريع. كما يقتضي الأمر تعزيز آليات التتبع والتقييم وقياس النتائج، حتى لا تتحول المشاريع إلى مجرد أرقام في التقارير، دون أثر حقيقي على الأرض.
كما أن العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية مطالبة بالانتقال من منطق توزيع الأدوار إلى منطق التكامل والتعاون. فنجاح التنمية لا يمكن أن يتحقق في ظل تشتت المسؤوليات أو ضعف التنسيق، وإنما يحتاج إلى انسجام بين مختلف مستويات القرار، مع احترام الاختصاصات وتوفير الإمكانات الضرورية لممارسة المسؤوليات بكفاءة.
وفي هذا السياق، يكتسي تأهيل الجماعات الترابية أهمية خاصة، سواء على مستوى الموارد البشرية أو الإمكانات المالية أو استعمال التكنولوجيا والرقمنة. فالتحديات الجديدة، من تغيرات مناخية وتحولات ديمغرافية ورهانات اقتصادية ورقمية، تفرض مؤسسات محلية قادرة على الاستباق والتخطيط، وليس فقط معالجة المشاكل بعد وقوعها.

Comments (0)
Add Comment