الانتخابات البلدية واللامركزية بالأردن محطة جديدة في مسار الإصلاح السياسي بالبلاد

تعد انتخابات البلديات ومجالس المحافظات (اللامركزية)، المقرر إجراؤها يوم غد الثلاثاء بالأردن، استحقاقا آخرا ومحطة جديدة في مسار الإصلاح السياسي والبناء الديمقراطي الذي انخرطت فيه المملكة.

ويتنافس في هذه الانتخابات المزدوجة، التي دعي إليها حوالي 4 ملايين و109 ألف و767 ناخبا وناخبة ممن يحق لهم الانتخاب، ستة آلاف و626 مرشحة ومرشحا، منهم 538 لمنصب رئيس بلدية، و4701 لعضوية المجالس البلدية والمحلية، و1239 لعضوية مجالس المحافظات، ثم 145 مرشحة ومرشحا لعضوية مجلس أمانة عمان.

وإذا كانت الانتخابات البلدية تشكل أمرا طبيعيا وروتينيا من حيث عملية إجرائها المتواصل منذ فترة طويلة، (والتي كان آخرها انتخابات 2013)، فإن الجديد هذه المرة هو انتخابات مجالس المحافظات ، التي تعد التجربة الأولى التي تجري في تاريخ الأردن في إطار مواصلة عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي باشرتها المملكة منذ سنوات، وخاصة بعد ما سمي ب”الربيع العربي”، والتي يتوخى منها أيضا تكريس النهج الديمقراطي في مختلف مناحي الحياة.

وهذا الاستحقاق الدستوري، سبقه إجراء انتخابات برلمانية في 20 شتنبر المنصرم، اختار فيها الأردنيون أعضاء مجلس النواب الثامن عشر، والتي اعتبرت يمثابة ترجمة عملية لخطوات الإصلاح السياسي التي ينفذها الأردن، وأنها أيضا تؤسس لتاريخ جديد في طريقة الانتخابات القادمة في البلاد، بما فيها هذه الانتخابات البلدية واللامركزية.

ويرى مسؤولون وسياسيون أردنيون أن هذه الانتخابات الجديدة تشكل حلقة إضافية في مسيرة الإصلاح الشامل، ومن شأنها المساهمة في استكمال البناء الديمقراطي للدولة، وهو ما أكده العاهل الأردني الذي شدد خلال لقائه أعضاء مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للإنتخاب، على ضرورة الجاهزية الكاملة لهذا الاستحقاق، وأهمية تحقيق أعلى درجات التنسيق والتعاون التام مع مؤسسات الدولة لضمان نجاح العملية الانتخابية، والبناء على “النجاحات السابقة”.

وأشار الملك عبد الله الثاني أيضا إلى أهمية تكثيف جهود التوعية حول اللامركزية التي قال إنها تمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع، وتمكن المواطنين من المساهمة في تحديد أولوياتهم، ووضع تصور مستقبلي لمسار التنمية في مناطقهم، وبما يعزز مشاركتهم في صنع القرار التنموي.

وقد صرح وزير الداخلية الأردني غالب الزعبي، بدوره، بأن هذه الانتخابات اللامركزية، كانت حلما وستصبح حقيقة كما أرادها ملك البلاد “الذي سعى لها وأمر بتحويلها إلى واقع عملي ملموس وكيان مستقل سعيا منه إلى تفعيل مشاركة المواطن في هذا المشروع الرامي إلى إحداث تحول جذري في المفاهيم السياسية والتنموية والاقتصادية التي تقود الفرد إلى مرحلة جديدة من التفاعل الإيجابي مع البرامج التي تحدد مستقبله”.

ويذهب محللون، إلى أن الوصول إلى مجالس محافظات منتخبة وتطبيق اللامركزية في محافظات المملكة، كما ورد في قانونها وأنظمتها، بالطريقة التي تحقق أهدافها، سيشكل نقطة تحول كبيرة على طريق الديمقراطية، وسيؤدي إلى كثير من التغييرات الإيجابية التي تؤطر دور نائب المستقبل بشكل تجعله يتفرغ للأهداف المرجوة منه ومن المجلس النيابي وهو الرقابة والتشريع وترك مسؤولية المحافظات بمشاكلها الخدماتية ومتطلبات تحسينها وتطويرها وتنميتها إلى مجالسها المنتخبة.

واعتبروا تكوين مجالس المحافظات وتطبيق اللامركزية خطوة إصلاحية “في الإتجاه الصحيح” للوصول إلى أكبر قدر من المشاركة الفاعلة للمواطنين في صنع القرار، وفتح المجال لهم للإدلاء برأيهم بكل حرية، واحترام الرأي والرأي الآخر، وكذا التعددية السياسية تعزيزا للمسيرة الديمقراطية للبلاد.

ويأتي إجراء انتخابات مجالس المحافظات، وبالتزامن مع الانتخابات البلدية، بعد إقرار قانون اللامركزية سنة 2015 من قبل مجلس النواب السابق، ويهدف إلى مأسسة العمل البلدي والخدماتي، من خلال تأسيس مجالس على مستوى المحافظات، تضم في عضويتها أعضاء معينين ومنتخبين يصلون إلى نحو 335 عضوا من بينهم 32 مقعدا مخصصا للنساء.

وفي هذا الصدد، أشار الكاتب العام لوزارة الشؤون السياسية والبرلمانية بكر العبادي، إلى أن قانون اللامركزية يخدم فئتي المرأة والشباب من خلال خفض سن الترشح إلى 25 عاما، ومنح المرأة حوالي 15 في المائة (كوطا)، إلى جانب التنافس على مقاعد أخرى، مبرزا بخصوص آلية تشكيل مجلس المحافظة الناشئ عن الانتخابات اللامركزية، أن مجالس المحافظات تتألف من 85 في المائة من الأعضاء المنتخبين، ومخصص للمرأة نسبة 10 في المائة، وتعيين 5 في المائة على أن يخصص ثلث هذه النسبة للنساء.

ورغبة في ضمان نوع من الشفافية والنزاهة في الإنتخابات وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية والحياة السياسية والحزبية بصفة عامة، عهد للهيئة المستقلة للانتخاب، التي تعتبر أيضا من ثمرات الإصلاح السياسي بالمملكة، إدارة هذه العملية الانتخابية والإشراف عليها في كافة مراحلها، إلى جانب الانخراط بقوة في المشاركة الديمقراطية في البلاد، كما هو الشأن في الانتخابات البرلمانية السابقة.

ومن أجل تحقيق الآمال وبلوغ الأهداف المرجوة، اعتمدت الهيئة 6128 مراقبا ومراقبة محلية ينتمون إلى 16 جهة رقابية ومنظمات المجتمع المدني وأحزاب ونقابات، إلى جانب 183 ما بين مراقبين ومساعدين وفنيين وداعمين لوجستيين المنتمين إلى 18 جهة أجنبية.

ورغبة منها بدور وسائل الإعلام في المساهمة في إنجاح العملية الإنتخابية، فقد اعتمدت الهيئة إلى جانب 620 محاميا قرروا المشاركة في الرقابة على هذه الانتخابات البلدية ومجالس المحافظات، 1540 عنصرا موزعين ما بين صحفيين ومصورين وفنيين يتبعون جميعهم لمؤسسات صحفية تتنوع ما بين محطات تلفزيونية وإذاعات وصحف ومواقع إلكترونية بلغ عددها 84 مؤسسة إعلامية.

وفضلا عن حملاتها التحسيسية ومحاضراتها وندواتها وورشاتها بمساعدة وسائل الإعلام وفعاليات المجتمع المدني، قامت الهيئة المستقلة للانتخاب، بتعبئة أكثر من 32 ألف متطوعا ومتطوعة للمساهمة في حملات التوعية والتثقيف التي أطلقتها خلال الأسبوع الأول من يوليوز المنصرم تحت مسمى “قرع الأبواب”، والهادفة إلى توعية الناخبين بقانوني البلديات واللامركزية، وآلية الاقتراع كل حسب دائرته الانتخابية أو منطقته البلدية، إضافة إلى مساعدة الناخبين يوم الاقتراع لأداء واجبهم الوطني.

والجدير بالإشارة إلى أن المرأة الأردنية، تمكنت في الانتخابات النيابية (2016) من فرض حضورها من خلال حصدها، ولأول مرة في تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية، 20 مقعدا من مقاعد مجلس النواب، وذلك بالنظر لوعي النساء بأهمية مشاركتها الفعالة في الحياة السياسية.

لكن في المقابل، تعتبر جمعية معهد تضامن النساء الأردني (تضامن) أن إجراء الإستحقاقات البلدية في ذات اليوم مع انتخابات مجالس المحافظات، حرم النساء من ممارسة حقهن في الترشح الحر، مما انعكس سلبا على نسب ترشحهن لمجالس المحافظات.

وأضافت أنه عند المفاضلة بين البلديات ومجالس المحافظات، فإن البلديات تعتبر الأقرب للنساء من حيث الفرص والعدد والتجارب السابقة والخبرات المتراكمة، حيث نسبة المترشحات تصل إلى 22 في المائة لعضوية مجالس البلديات، و1 في المائة للرئاسة، ثم 9 في المائة لمجالس المحافظات.

وفي هذا الإطار، تشدد (تضامن) على أهمية مشاركة النساء في إدارة الشأن العام ضمن محافظاتهن، والتي ستعمل على تمكينهن سياسيا وتنمويا وتأهيلهن لإشغال المواقع القيادية الأعلى، وترفع من فرص مشاركتهن السياسية، إضافة إلى أنها تزيد من الوعي لدى المجتمعات المحلية بأهمية دور المرأة، وتقدم نماذج لإثبات أن النساء قادرات على تحمل مسؤولية إدارة ومواجهة المشاكل والتحديات المحلية.

ويرى خبراء في الشأن المحلي، أن تطبيق الحكم اللامركزي قد يواجه تحديات عدة عقب إجراء انتخابات مجالس المحافظات، بالرغم من تشكل شبه إجماع متفائل بنجاح التجربة، وانعكاس نتائجها إيجابا على دفع عجلة التنمية في المحافظات.

ويتمثل التحدي الأكبر، في نظرهم، في محاولة التوأمة والتوفيق وتقليص لتداخلات بين مهام أعضاء مجلسي المحافظات والبلديات، في ضوء وجود بعض التضارب أحيانا في الصلاحيات، التي أوجدتها بنود قانوني البلديات واللامركزية، على أن ذلك لا ينفي إمكانية تجاوزها بعد فترة زمنية.

Comments (0)
Add Comment