بقلم (عزيز-ل)-
مع اقتراب موعد امتحانات البكالوريا لعام 2025، تتجه الأنظار بشكل خاص نحو مادة الرياضيات، التي غالباً ما تشكل مصدر قلق للعديد من التلاميذ وأولياء أمورهم. لكن بعيداً عن الأهمية العلمية والتربوية لهذه المادة، يجد إعلام “الرصيف” أو ما يُعرف بالإعلام الباحث عن الإثارة، ضالته في هذا الاستحقاق الوطني لتحقيق مكاسب آنية عبر جلب المشاهدات والنقرات، حتى وإن كان ذلك على حساب تلميذ مراهق أو عبر تبخيس مجهودات الأطر التربوية.
إن المتتبع لما يُنشر في بعض المنابر الإعلامية، خاصة تلك التي تعتمد على الإثارة والعناوين الرنانة، يلاحظ تركيزاً ممنهجاً على خلق صورة نمطية سلبية حول قدرة التلاميذ على استيعاب مادة الرياضيات، وتقديمها كـ”بعبع” يستعصي على الفهم. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى انتقاء حالات معينة لتلاميذ متعثرين أو يعيشون ضغوطاً نفسية بسبب الامتحان، وتحويلهم إلى مادة دسمة للاستهلاك الإعلامي، دون مراعاة لأخلاقيات المهنة أو الأثر النفسي الذي قد يتركه هذا التناول على هؤلاء التلاميذ وأسرهم.
واللافت للانتباه أن هذا النوع من الإعلام يبدو وكأنه يستهدف بشكل مقصود شريحة معينة من المجتمع، بهدف “الفرجة” والسخرية أحياناً. يتم اختيار “الضحايا” بعناية، غالباً من أوساط بسيطة أو تلاميذ يظهرون ارتباكاً طبيعياً أمام الكاميرا، ليتم تقديمهم كدليل على “بؤس” المنظومة التعليمية التعلمية بالمغرب. هذا التوجه لا يخدم بأي شكل من الأشكال النقاش الجاد حول تطوير التعليم، بل يساهم في تكريس صورة سلبية ومشوهة، ويُبعد الأنظار عن التحديات الحقيقية والجهود المبذولة من قبل الأساتذة والتلاميذ الجادين.
إن هذا الأسلوب في التناول الإعلامي لا ينفصل عن سياق أوسع يتسم أحياناً بمحاولات تبخيس عمل الأستاذ والتشكيك في دوره المحوري. فبدلاً من تسليط الضوء على النماذج الإيجابية والتجارب الناجحة في تدريس الرياضيات، يتم التركيز على السلبيات وتضخيمها، مما يخدم أجندات قد لا تكون بالضرورة بريئة أو هادفة إلى المصلحة العامة.
ومما يزيد الطين بلة، ويفسر ربما هذا السعي المحموم نحو الإثارة وتصوير الواقع التعليمي بشكل قاتم، هو ارتباط مثل هذه الممارسات أحياناً بفضح قضايا فساد حقيقية تهز ثقة المواطن في المنظومة ككل. إن تفجير فضيحة بيع الماسترات بجامعة ابن زهر بأكادير، وما كشفته من ارتباط بين المال والنفوذ والغش في تحصيل الشهادات العليا، يُلقي بظلاله القاتمة على المشهد التعليمي برمته. فعندما يرى المواطن أن أعلى مراتب التعليم يمكن أن تُشترى وتُباع، قد يفقد الثقة في جدوى الاجتهاد والمثابرة في المراحل الأدنى، بما في ذلك البكالوريا. ويصبح من السهل على إعلام الإثارة أن يجد في هذا المناخ أرضاً خصبة لترويج خطابه التبخيسي، وتقديم كل ما يتعلق بالتعليم، بما في ذلك صعوبات مادة الرياضيات، كجزء من “مسرحية عبثية” عنوانها الفشل والفساد.
إن المطلوب اليوم هو وقفة جادة من قبل وسائل الإعلام المسؤولة للتصدي لهذه الممارسات التي تحول التلميذ إلى مجرد “مادة للفرجة” وتسيء إلى سمعة المنظومة التعليمية دون وجه حق. إن النقاش حول تطوير تدريس الرياضيات وتحسين مستوى التلاميذ يجب أن يكون بناءً ومبنياً على معطيات دقيقة وتحليلات موضوعية، بعيداً عن الإثارة المجانية والسعي وراء “الترند” على حساب مستقبل جيل بأكمله. كما أن محاربة الفساد في قطاع التعليم، وضمان تكافؤ الفرص، هما الكفيلان بإعادة الثقة للمواطن في مؤسساته التعليمية، وقطع الطريق أمام كل من يحاول استغلال التحديات لغايات ضيقة.