إصلاح الصحافة بالمغرب.. بين دعم المقاولات وأسئلة الإنصاف المهني

أعادت التصريحات المنسوبة إلى إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، بشأن إصلاح قطاع الصحافة وتوزيع الدعم العمومي، النقاش حول مستقبل المقاولات الإعلامية، ومعايير الاستفادة من الدعم، وموقع الصحافي المهني والمقاولات الصغيرة ضمن المنظومة الإعلامية الوطنية.

ومن خلال هذه التصريحات، يبدو أن التوجه المطروح يركز على دعم المقاولات الصحافية المهيكلة، وربط الاستفادة من الدعم بشروط مهنية وتنظيمية، في إطار تصور يروم تقوية المؤسسات الإعلامية وضمان استمراريتها. غير أن هذا الطرح يفتح، في المقابل، باب التساؤل حول مدى قدرة الإصلاح المرتقب على استيعاب مختلف مكونات المشهد الصحافي، دون إقصاء أو تمييز.

فإذا كان تنظيم القطاع وتطوير المقاولات الإعلامية هدفاً مشروعاً، فإن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على الجانب المقاولاتي وحده، بل يستوجب أيضاً حماية حقوق الصحافيين، وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وضمان استقلالية العمل الصحافي، وفتح المجال أمام المبادرات الإعلامية الجادة، بما فيها المقاولات الصغرى والصحافيون المستقلون الذين يواجهون تحديات مرتبطة بالإمكانيات والاستمرارية.

كما أن النقاش حول الدعم العمومي يفرض ضرورة توضيح معايير الاستفادة، وكيفية توزيع الموارد، والجهات المؤهلة للحصول عليها، مع ضمان الشفافية وربط الدعم بالنتائج والالتزامات المهنية. فالأموال العمومية تستوجب قواعد واضحة وقابلة للمراقبة، بما يعزز الثقة في المؤسسات المشرفة على هذا الورش، ويضمن عدم تحوله إلى امتياز محصور في فئة دون أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين تنظيم المهنة باعتباره مدخلاً ضرورياً لتجويد الممارسة الصحافية، وبين جعل الشروط التنظيمية عائقاً أمام المبادرات الإعلامية التي تسعى إلى إثبات حضورها. فبطاقة الصحافة المهنية تظل إحدى أدوات إثبات الصفة المهنية، لكنها لا تعفي من ضرورة اعتماد معايير موضوعية تتعلق بالعمل الصحافي الفعلي، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام القانون.

ورغم هذه التصريحات والخطابات المرتبطة بإصلاح القطاع وتأهيل المقاولات الإعلامية، فإن عدداً من الصحافيين المهنيين ما زالوا يطرحون تساؤلات بشأن أوضاعهم المهنية، وما يعتبرونه غياباً للإنصاف في بعض الملفات المرتبطة بحقوقهم وممارستهم للعمل الصحافي. وهو ما يجعل الحديث عن الإصلاح مطالباً بألا يقتصر على المقاولات وشروط الاستفادة من الدعم العمومي، بل أن يمتد أيضاً إلى معالجة الإشكالات التي تواجه الصحافيين على أرض الواقع، وضمان حماية حقوقهم وصون كرامتهم المهنية.

فلا يمكن الحديث عن النهوض بالصحافة دون الإنصات إلى مختلف الأصوات داخل الجسم الإعلامي، خصوصاً الصحافيين الذين يعتبرون أنفسهم خارج دائرة الاهتمام، أو الذين ينتظرون معالجة ملفاتهم وفق قواعد واضحة ومنصفة. كما أن الدفاع عن المقاولات المهيكلة ينبغي ألا يتحول إلى مدخل لتهميش المبادرات الإعلامية الصغرى أو التقليل من قيمة العمل الذي يقدمه صحافيون مهنيون خارج المؤسسات الكبرى.

ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن أعداد المقاولات المستفيدة وغير المستفيدة من الدعم يستدعي تقديم معطيات دقيقة ومفصلة، تسمح للرأي العام والمهنيين بفهم طبيعة الاختلالات المطروحة، وتقييم مدى نجاعة السياسات المعتمدة. فالإصلاح لا يقاس فقط بعدد المقاولات التي تستفيد من الدعم، بل أيضاً بمدى انعكاسه على جودة المحتوى الإعلامي، واستقرار الصحافيين، وتعددية الآراء، وتعزيز استقلالية المؤسسات الصحافية.

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتقوية المقاولات المهيكلة، ولا بمجرد إعادة ترتيب شروط الاستفادة من الدعم، بل ببناء منظومة إعلامية متوازنة تضمن الاستمرارية الاقتصادية للمؤسسات، وتحفظ كرامة الصحافي وحقوقه، وتمنح مختلف المبادرات الجادة فرصاً عادلة للتطور.

وبين خطاب الإصلاح ومطالب المهنيين، يبقى السؤال المطروح: هل سينجح ورش إصلاح الصحافة في تحقيق التوازن بين دعم المقاولات، وحماية الصحافيين، وضمان تكافؤ الفرص، أم أن النقاش سيظل محصوراً في شروط الاستفادة من الدعم، بعيداً عن الإشكالات المهنية والاجتماعية التي لا تزال تنتظر المعالجة؟

فإصلاح الصحافة لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة توزيع للدعم، بل فرصة لإعادة بناء الثقة داخل الجسم الإعلامي، على أساس الشفافية والإنصاف والاستقلالية. فقوة الصحافة لا تقاس بحجم المقاولات وحده، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية العاملين بها، واحترام حقوقهم، وضمان تعددية المشهد الإعلامي، وتمكين الصحافيين من أداء رسالتهم المهنية في ظروف تحفظ كرامتهم واستقلاليتهم.

وفي نهاية المطاف، يظل المعيار الحقيقي لأي إصلاح هو ما سيحققه من نتائج ملموسة على أرض الواقع، ومدى قدرته على تحويل الشعارات إلى إجراءات عادلة تشمل مختلف الفاعلين، لأن النهوض بالصحافة يبدأ من إنصاف الصحافي، ولا يكتمل إلا ببناء مؤسسات إعلامية قوية ومسؤولة.

Comments (0)
Add Comment