*أمة إقرأ… تفرنس مدارسها وتستحي من لسانها!* .

 

 

✍🏼بقلم: _الكاتب الصحفي_

[*ذ.هشام الدكاني*]

 

يا للمفارقة! أمة نزلت فيها أول كلمة من الوحي «إقرأ»، وأصبحت بعض نخبها تتصرف وكأن التقدم لا يتحقق إلا بالتحدث بلغة غيرها!

لغة رسمية ينص عليها الدستور، لكنها تتراجع في بعض الإدارات والإجتماعات الرسمية، وتزاحم داخل المدارس والجامعات، بينما تتحول الفرنسية إلى جواز مرور نحو الوجاهة والإمتياز الإجتماعي!

لنكن واضحين:

لسنا ضد تعلم الفرنسية أو الإنجليزية أو أي لغة أجنبية، فاللغات جسور للمعرفة والٱنفتاح، وليست عدوا لأحد، لكن الفرق شاسع بين تعلم لغة إضافية وبين التعامل مع اللغة الأم وكأنها عبء ينبغي التخلص منه.

المشكلة ليست أن نتعلم لغة الآخرين، بل أن ننسى قيمة لغتنا ونحن نتعلمها!

 

لقد أعادت التصريحات والمشاهد المتداولة لرئيسة الحكومة الجديدة، *فاطمة الزهراء المنصوري،* فتح النقاش حول لغة المسؤولين، وليس المقصود محاكمة شخص بسبب لكنته أو التشهير به بسبب تعثر لغوي، وإنما مساءلة ثقافة سياسية تجعل التواصل بلغة أجنبية، في بعض المناسبات، يبدو عنوانا للرقي، بينما لا تحظى العربية بالمكانة نفسها.

وقد سبق أن أُثير نقاش مماثل بشأن أسلوب التواصل اللغوي لرئيس الحكومة السابق *عزيز أخنوش*، ما يؤكد أن الأمر أوسع من شخص أو حزب!

فالمسؤول العمومي لا يمثل نفسه وحده.. إنه يمثل مؤسسة وبلدا ومواطنين.

ومن حق هؤلاء أن يجدوا لغتهم الرسمية حاضرة في التواصل معهم، دون أن يطلب منهم إتقان لغة أجنبية لفهم شؤون إدارتهم أو متابعة مشاريع بلدهم.

 

والمعضلة الأخطر أن الأمر تجاوز مكاتب المسؤولين إلى المدرسة العمومية والخصوصية، ثم إلى التعليم العالي، حيث تعتمد مؤسسات كبرى وجامعات عديدة الفرنسية في تدريس بعض التخصصات العلمية والتقنية والتجارية.

وهكذا أصبح عدد من الأسر ينظر إلى التعليم المفرنس بٱعتباره ضمانة أفضل لمستقبل أبنائه، لا بالضرورة رفضا للعربية، بل خوفا من أن تصبح اللغة التي تعلموا بها عائقا أمام فرصهم الجامعية والمهنية.

والسؤال هنا:

– لماذا لا نطور تعليم العربية ومراجعها ومصطلحاتها العلمية، ونمنح أبناءنا تكوينا متينا بلغتهم الرسمية، بالتوازي مع إتقان اللغات الأجنبية؟

– ولماذا نترك الإنطباع بأن التميز يبدأ من الفرنسية، بينما تترك العربية لتواجه وحدها معركة إثبات قدرتها على مواكبة العصر؟

 

إن تدريس العلوم بلغة أجنبية ليس مخالفة دستورية في حد ذاته، لكن الخلل يظهر حين يتحول الإختيار اللغوي إلى ٱمتياز ٱجتماعي، فتتسع الفجوة بين أبناء الأسر القادرة على تحمل تكاليف تعليم خاص ذي توجه فرنكفوني، وأبناء الأسر التي لا تملك الإمكانات نفسها. وهكذا تصبح اللغة، بدل أن تكون وسيلة للمعرفة، عاملا إضافيا في تكريس الفوارق.

ولعل ما أثار إعجابي شخصيا مؤخرا بمدينة المحمدية هو موقف عامل المدينة، الذي أصر، وفق ما لفت ٱنتباهي، على أن يقدم المهندس المسؤول عن أحد المشاريع شرحه باللغة العربية الفصحى، رغم ميله إلى مواصلة العرض بلغة أخرى.

وقد وضع هذا الإصرار المهندس الشاب في موقف صعب، لا يستدعي السخرية منه بقدر ما يستدعي مساءلة منظومة تكوين قد تمنح الأولوية للفرنسية، دون أن تضمن دائما القدرة على التواصل المهني بالعربية.

تأملوا المفارقة:

مسؤول يطلب شرح مشروع داخل المغرب بالعربية، فيبدو الأمر وكأنه ٱستثناء يستحق الإعجاب، مع أنه يفترض أن يكون أمرا طبيعيا!

وليس المطلوب إقصاء الفرنسية، بل أن يتمكن مهندس الدولة من شرح مشروعه بلغة المواطنين، إلى جانب قدرته على التواصل باللغات الأجنبية.

 

وما يغيظني شخصيا أن دولا كثيرة تعتز بلغاتها الوطنية وتجعلها حاضرة بقوة في مؤسساتها، دون أن يمنعها ذلك من الإنفتاح على العالم.

فرنسا تعتز بالفرنسية، وألمانيا بالألمانية، واليابان باليابانية، والصين بالصينية. ولا يعني ذلك أن هذه الدول تمنع اللغات الأجنبية، بل إنها لا تتعامل مع لغاتها الوطنية بٱعتبارها عائقا أمام التقدم.

– فلماذا يبدو أننا، في بعض مؤسساتنا ومساراتنا التعليمية، أكثر ميلا إلى تقديم الفرنسية على العربية، بدلا من جعلهما أداتين متكاملتين للمعرفة؟

– لماذا نطالب أبناءنا بالٱعتزاز بهويتهم، ثم نتركهم يلاحظون أن اللغة الأجنبية قد تمنح صاحبها ٱمتيازا ٱجتماعيا لا يرتبط بالضرورة بكفاءته العلمية؟

 

أما دستوريا، فالفصل الخامس يقر رسمية العربية والأمازيغية، ويدعو إلى حمايتهما وتطويرهما، كما يشجع على تعلم اللغات الأجنبية الأكثر تداولا.

لذلك، فإن الدفاع عن العربية لا يعني الٱنتقاص من الأمازيغية، ولا إعلان الحرب على الفرنسية أو الإنجليزية، بل المطالبة بتعدد لغوي متوازن يحترم مكانة اللغات الرسمية ويضمن تكافؤ الفرص.

لسنا في حاجة إلى مسؤول يتقن العربية وحدها، ولا إلى مسؤول يستعرض لكنته الأجنبية بٱعتبارها شهادة تفوق.

نحن في حاجة إلى كفاءات تتقن لغات العالم، لكنها لا تعجز عن مخاطبة مواطني بلدها بلغتهم الرسمية.

فيا سادة السياسة والتعليم، لا تجعلوا الانفتاح مرادفا للإستلاب، ولا تجعلوا الحداثة لكنة أجنبية!

أمة «إقرأ» لا ينقصها أن تتعلم لغات الآخرين، بل ينقصها أن تتوقف عن التعامل مع لغتها وكأنها أقل شأنا من لغاتهم.

والسؤال الذي يستحق جوابا صريحا:

– لماذا نتقن لغات الآخرين لنخاطب العالم، ثم نتردد في ٱستعمال لغتنا لنخاطب أنفسنا؟

Comments (0)
Add Comment