بقلم: سعيد ودغيري حسني
حين تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة الأمريكية
وحين تستعد ملاعب العالم لاستقبال عرس كروي جديد
لا يدخل المغرب هذا الموعد الكبير كضيف عابر
ولا كمنتخب يبحث عن فرصة لإثبات الوجود
بل يدخل وهو يحمل تاريخاً من العمل
ومسيرة من البناء
وحلماً وطنياً نما عاماً بعد عام حتى أصبح حقيقة يراها العالم بأسره
فأسود الأطلس الذين يستعدون لحمل الراية المغربية في كأس العالم
ليسوا مجرد أحد عشر لاعباً فوق رقعة خضراء
بل هم صورة وطن كامل
وصدى آمال شعب
وثمرة رؤية ملكية بعيدة البصر آمنت بأن الإنسان المغربي قادر على بلوغ أعلى القمم متى توفرت له أسباب النجاح
ومن بين صفحات هذه الحكاية الوطنية يسطع اسم جلالة الملك محمد السادس
الذي جعل من الاستثمار في الإنسان ركيزة أساسية لبناء المغرب الحديث
ورأى في الشباب طاقة لا تنضب
وفي الرياضة مدرسة للقيم والانضباط والطموح
فكانت الرؤية واضحة
وكان الهدف كبيراً
وكان الإيمان بالمستقبل أقوى من كل التحديات
ومن رحم هذه الرؤية ولدت المشاريع الكبرى
وشيدت الملاعب الحديثة
وارتفعت مراكز التكوين
وتحولت كرة القدم من حلم يراود الجماهير إلى مشروع وطني متكامل يصنع الإنجازات جيلاً بعد جيل
وفي قلب هذا المشروع وقفت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم شامخة كمنارة للأمل
وكشجرة مباركة غرست جذورها في أرض الوطن وأعطت ثمارها في ملاعب العالم
فمن بين جنباتها خرج لاعبون حملوا المغرب في قلوبهم
وتعلموا أن الموهبة لا تكتمل إلا بالعمل
وأن القميص الوطني أمانة
وأن المجد لا يمنح بل ينتزع بالاجتهاد والصبر والإيمان
ومن تلك الأكاديمية انطلقت أحلام صغيرة
كبرت مع السنوات
حتى أصبحت نجوماً تتألق في أكبر الدوريات العالمية
وتحمل راية المغرب بكل فخر واعتزاز
ولم يكن الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم سوى إحدى ثمار هذا المسار الطويل
فحين وقف أسود الأطلس بين كبار العالم
وحين دوى اسم المغرب في الملاعب والقارات
كان العالم يشاهد نتيجة سنوات من التخطيط والعمل
ويشاهد وطناً قرر أن يكتب تاريخه بيده
غير أن الحكاية المغربية لا تقف عند المنتخب الأول
ففي مختلف الفئات السنية كانت راية المغرب تواصل الارتفاع
وكانت الأجيال الجديدة تؤكد أن المستقبل قد بدأ بالفعل
فمنتخبات الشباب والفتيان قدمت نماذج مشرفة
وأثبتت أن خزينة المواهب المغربية لا تنضب
وأن الأرض التي أنجبت الأبطال قادرة على إنجاب المزيد منهم
أما لبؤات الأطلس فقد كتبن فصلاً جديداً من فصول التألق الوطني
وأثبتن أن المرأة المغربية قادرة على المنافسة والتألق ورفع راية الوطن في أكبر المحافل
فأصبح النجاح المغربي نجاحاً جماعياً
يشمل الرجال والنساء
والشباب والفتيان
ويعكس قوة مشروع رياضي متكامل ينظر إلى المستقبل بثقة وطموح
واليوم
بينما تقترب أيام المونديال
وتتهيأ الولايات المتحدة الأمريكية لاستقبال أفضل منتخبات الأرض
يتهيأ المغرب بدوره لموعد جديد مع التاريخ
موعد يحمل إليه أسود الأطلس أحلام الملايين
ويحمل معهم رصيد سنوات من العمل والتكوين والبناء
ففي المدن والقرى
وفي السهول والجبال
وفي بيوت المغاربة داخل الوطن وخارجه
تكبر الأحلام مع كل يوم يقترب من صافرة البداية
ويكبر الأمل في أن يواصل المنتخب الوطني رحلته بين الكبار
وأن يؤكد للعالم أن ما تحقق بالأمس لم يكن استثناء
بل كان بداية لمرحلة جديدة عنوانها الاستمرارية والطموح
ينتظر المغاربة من أسود الأطلس أن يلعبوا بروح المحاربين
وأن يقاتلوا بشرف
وأن يجعلوا من كل مباراة قصة جديدة من قصص العزة الوطنية
وينتظرون أن يروا العلم المغربي يرفرف عالياً في سماء الملاعب الأمريكية
وأن يسمعوا النشيد الوطني يصدح بين جماهير العالم
وأن يشاهدوا أبناء الوطن وهم يكتبون فصلاً جديداً من فصول المجد
فكل مباراة ستكون أكثر من تسعين دقيقة
وكل انتصار سيكون أكثر من نتيجة
لأنه سيكون انتصاراً للإرادة
وانتصاراً للرؤية
وانتصاراً لوطن آمن بأبنائه فآمنوا به
إن كأس العالم بالنسبة للمغاربة ليس مجرد بطولة
بل موعد تتوحد فيه القلوب
وتلتقي فيه الأحلام
ويجدد فيه الوطن ثقته في شبابه
وهو أيضاً مناسبة للتأمل في مسيرة طويلة بدأت بفكرة
ثم أصبحت رؤية
ثم تحولت إلى إنجازات يراها العالم اليوم بكل وضوح
ولهذا فإن رحلة أسود الأطلس نحو الولايات المتحدة الأمريكية ليست رحلة منتخب فحس
بل رحلة وطن بأكمله
رحلة ملك آمن بقدرات شعبه
ورحلة شعب آمن بمستقبله
ورحلة أمة اختارت أن تحلم كبيراً وأن تعمل أكثر
لتظل راية المغرب خفاقة بين الأمم
وليظل اسم المملكة المغربية حاضراً في سماء المجد
اليوم وغداً وفي كل المواعيد الكبرى التي تصنع التاريخ.