موعد مع العدم

0 86

موعد مع العد

بقلم القاص محمد بنداحة

 

يجلس على مقعده الخشبي المهترئ كتمثالٍ نصفي نحتته سنواتُ الانتظار، أو كحارسٍ لمتحفٍ أغلقت في وجهه الأبواب منذ دهور. لم تكن الورشة مجرد جدرانٍ وأرفف، بل كانت زنزانةً فاخرة حبس فيها نفسه طواعية، وكانت عيناه المسهرتان تتتبعان رقصات غبارٍ راقصٍ في شعاع الضوء الشاحب، بدت له كـ «أشباح» لكلماتٍ ماتت قبل أن تُكتب.
في الخارج، لم يكن الليل مجرد غيابٍ للشمس، بل كان وحشاً أسود يمد أظافره ببطءٍ حول عنق المدينة، يعبث بأعصابه بحرفيةٍ سادية. كل همسةِ ريحٍ تعبر زقاقه الضيق كانت تحمل في طياتها شبحَ ماضٍ يرفض الموت، أو وعداً كاذباً يرفض التسليم.
خلع نظارته الطبية بتثاقلٍ مفرط، وكأنَّه يخلع عن عينيه عبءَ رؤيةِ حقائقَ لم يعد يحتملها، ثم أسند رأسه على المكتب المغطى بجلدٍ متشقق. ترك خلفه على الطاولة أدواتِ ترميمٍ للكتب، هي الوحيدة التي ترمم شيئاً في هذا الكون، بينما هو يتآكل من الداخل كورقةٍ التهمها السوس.
على الجدار المقابل، كانت عقارب الساعة الحائطية لا تقيس الوقت، بل كانت تدق مساميرَ في نعشِ أحلامه. كل «تكة» كانت تصرخ في وجهه: «أنت تتأخر»، و«الفرصة» التي أهدرها حين ظن أنَّ «الأيام» مخزونٌ لا ينفد من خزائن القدر. والآن، يقف على حافة الهاوية، يدرك أنَّ الخمسين لم تكن مجرد رقمٍ في هويته، بل كانت حكماً بالإعدام المؤجل لرجلٍ عاش نصفَ عمره في انتظار النصف الآخر.
كان البرد يتسلل من شقوق النافذة، وينهش في مفاصله بقسوةٍ تذكره بليالي الشتاء التي قضاها وحيداً، يرفض فيها دفءَ البيوت بحثاً عن «حرية» ظنها كنزاً، فاكتشف لاحقاً أنها مجرد قفصٍ بلا قضبان. ارتجفت يداه، فشدَّ معطفه الرقيق حوله كدرعٍ وهميٍ يقيه من زحف العدم.
الصمت في هذه الورشة لم يكن هدوءاً، بل كان كتلةً إسمنتية تسد الفم والأنف، وحشاً أعمى يتلمس طريقه بين أكوام الأوراق. لم يكسر هذا الخناق إلا صوتُ أنفاسه هو، ذلك الزفير الثقيل الذي يشبه حشرجةَ من يغرق في رمالٍ متحركة.
وسط ذلك الاختناقِ البطيء، انشقَّ ليلُ الورشة فجأةً بقرعٍ حادٍّ ومفاجئ على الباب الخشبي الثقيل. لم يكن مجرد طرقٍ عابر، بل كان زلزالاً قلب موازينَ جغرافيا وحدته. قفز قلبه من مكانه كسجينٍ سمع صوتَ مفتاحٍ يُدار في قفله، وجمدت أنفاسه وهو يحدق في مقبض الباب الذي تلألأ تحت الضوء الأصفر الشاحب.
لم يتحرك للوهلة الأولى، خوفاً من أن يكون الصوت مجرد هلوسةٍ من صنعِ عقلٍ منهك؛ ففي قاع اليأس، يخاف الإنسان من أن يلمس يده ماءً بارداً فيظنه سراباً. لكنه سمع القرعةَ تتكرر، هذه المرة ببطءٍ وحذر، كأنها نبضُ قلبٍ خائف. اندفع نحو الباب بخطواتٍ متعثرة، ويده ترتجف وهي تمتد نحو المفتاح، وقلبُه يصرخ باسمٍ واحدٍ لم يجرؤ على نطقه منذ عشرين عاما.
سحب المفتاح، وفتح الباب بقوة، ولسانُه يلهج بكلمةٍ ماتت في حلقه قبل أن تولد. لكنَّ الهواء البارد كان هو من استقبله. لم يكن هناك أحد. لا ظلُّ حبيبٍ عاد، ولا طيفُ ابنةٍ نادت. كان الشارع خالياً، والريح تعصف بورقةٍ جافةٍ رقصت بسخريّةٍ أمام قدميه قبل أن تبتلعها الظلمة.
لم يكن مجرد خيبةِ أمل، بل كان صفعةَ القدر التي تقول له: «حتى أوهامك لم تعد تكترث لوجودك». ظلَّ واقفاً على العتبة لثوانٍ بدت كدهور، يبتلع فيها البردُ ما تبقى من حرارته الجسدية، حتى أغلق الباب بـ «نقرة» جافة، كانت أشبه بصوتِ رصاصةٍ أخيرة تُطلق على جثةِ أمله.
في تلك اللحظة، زحف إلى ذهنه مشهدُ رحيلها؛ كيف وقفت عند هذا الباب ذاته، تطلب منه أن يختار بين كبريائه الغبيّ وحبها، فما كان منه إلا أن يدير ظهره ويغلق الباب، ظناً منه أنه يملك الزمن ليصلح الخطأ، وأن «الاعتذار» يمكن تأجيله إلى غدٍ آخر.
عاد إلى مقعده الثقيل، فسقط عليه ككيسِ خيشٍ ممزق. لم يعد في روحه متسعٌ لمزيدٍ من الانكسار، كان الجسد يئنُّ من البرد، لكن «موت الأمل» كان أشد إيلاماً؛ كان كمن يحمل فوق ظهره سماءً من رصاص ولا يملك إلا أن يسقط على ركبتيه.
استسلم لجاذبية المكتب، وأغمض عينيه بقوةٍ كأنه يحاول طرد صورةِ الشارع الفارغ من شبكية عينيه. في تلك اللحظة، بدأ صوتُ الرياح خارج النافذة يتغير.. لم يعد عويلاً سادياً، بل تحول إلى همسةٍ ناعمةٍ تداعب زجاج النافذة، غامت حدود الورشة، وتلاشت برودة المكان تحت وطأةِ «غيابٍ واعٍ» اختاره طواعية.
في عمق تلك الغيبوبةِ المؤقتة، حيث يذوبُ الألمُ في رحمِ النسيان، انشقَّ سكونُ العدم عن دفءٍ غريبٍ يشبه أشعةِ شمسٍ خريفيةٍ دافئة. لم يشعر بالانتقال، بل وجد نفسه هناك، في ذلك الصباح البعيد.
فجأة.. استنشقت رئتاه شيئا لم يستنشقاه منذ عقود؛ لم تكن رائحةَ الورقِ والغبار، بل كانت رائحةَ «الياسمين» تلك التي كانت تفوح من شعرها. ولم تكن مجرد رائحةٍ في الخيال، بل كانت عبيرا حقيقياً، دافئاً، يملأ المكان بحضورها. شعر بلمسةٍ حانيةٍ تمسح عن كتفه غبار السنين، وصوتٌ رخيمٌ يقطر عتبا وحناناً، انساب في روحه كالموسيقى:
«لماذا أغلقتَ الباب يا حبيبي؟.. أنا هنا، لم أرحل أبداً!»
فتح عينيه ببطءٍ شديد، متشبثاً بطرف تلك الرائحة، باحثاً عن ذلك الصوت في عتمة الورشة. لكنَّ الضوء الوحيد كان شعاعَ مصباحٍ كهربائيٍ ينعكس على رفوف الكتب الصامتة. أدرك حينها أنَّ «الرائحة» لم تكن إلا عبيرَ باقةِ ياسمينٍ جافةٍ سقطت من بين صفحات كتابٍ قديم تحت ثقل رأسه، وهي تطلق أنفاسها الأخيرة.
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يغرق من جديد في جاذبية النوم. أدرك أنَّ «الياسمين» قد مات منذ زمنٍ بعيد، تماماً كصاحبته، لكنَّ الريح، في لحظةِ شفقةٍ عابرة، كانت قد حركت أوراق الكتاب لتخبره أنها، حتى وهي في عداد الموتى، لا تزال ترفض أن تتركه وحيدا في هذه الزنزانة.. حتى في الأحلام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.