*حين *يتفوق النقاب على عقدة بعض المسؤولين!* 

0 238

 

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي

[ذ.هشام الدكاني]

 

في الوقت الذي تكرم فيه عالمة سعودية على المستوى العالمي بفضل أبحاثها العلمية، مع تمسكها بهويتها الدينية وٱرتدائها النقاب، يطرح واقع بعض المؤسسات التعليمية عندنا سؤالا محرجا:

– كيف يمكن لمؤسسة يفترض أن تنير العقول أن تتحول إلى ساحة للصراع مع مظهر التلميذة ولباسها، بدل أن تجعل من العلم والتحصيل والٱنضباط أولوياتها؟

 

إن الحديث عن البروفيسورة *نجلاء بنت سعد الردادي*، التي أُدرج ٱسمها، بحسب المعطيات المتداولة، ضمن قائمة أفضل 2% من علماء العالم للعام الخامس على التوالي، وفق التصنيف المرتبط بجامعة “ستانفورد” ومؤسسة “إلسيفير”، يعيد إلى الواجهة قضية تتجاوز شخصها وإنجازها:

– هل يحتاج الإنسان إلى التخلي عن مظهره وقناعاته حتى يثبت كفاءته؟

– وهل يقاس التفوق العلمي بما يرتديه صاحبه، أم بما ينتجه عقله ويقدمه للبشرية؟

إن قيمة هذا المثال لا تكمن في النقاب وحده، ولا في تحويل العالمة إلى رمز لمواجهة الآخرين، بل في حقيقة أعمق:

«العلم لا جنسية له، والكفاءة لا تقاس بالملابس، والهوية الشخصية لا ينبغي أن تتحول إلى تهمة تُحاكم بها العقول».

لكن المفارقة التي تستحق الوقوف عندها، هي أن العالم يكافئ الباحثين على جودة أعمالهم، بينما قد ينشغل بعض المسؤولين عندنا، داخل مؤسسات يفترض أنها فضاءات للمعرفة والتربية، بمظهر التلميذات والطالبات المحتشمات، وكأن أزمة التعليم المغربي قد ٱختزلت فجأة في قطعة قماش!

فيا لها من عبقرية إدارية خارقة!

عوض أن يسأل المسؤول عن مستوى التحصيل الدراسي، والهدر المدرسي، والٱكتظاظ، وجودة التأطير، وظروف التعلم، يصبح لباس التلميذة المحتشمة هو القضية التي تستحق الٱستنفار!

وكأن إصلاح المدرسة لا يحتاج إلى مختبرات وتجهيزات وكفاءات تربوية، بل إلى مراقبة الأكمام والأغطية!

ولكي لا يتحول النقاش إلى مجرد مزايدة عاطفية أو دينية، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين الحجاب والنقاب، وبين الزي المدرسي الموحد الذي قد تنظمه المؤسسات في حدود القانون، وبين فرض قيود على لباس ديني أو شخصي دون سند قانوني واضح، فهذه مسائل لا يجوز خلطها في سلة واحدة، ولا إصدار أحكام بشأنها بناء على الأهواء أو الٱجتهادات الفردية.

من الناحية القانونية، لا يملك أي مسؤول سلطة مطلقة تخوّله أن يضع قواعد من عنده، ثم يفرضها على التلميذات وكأن المؤسسة التعليمية إقطاعية خاصة.

فالمسؤول الإداري يمارس ٱختصاصاته في حدود النصوص المنظمة للمرفق العام، لا في حدود قناعاته الشخصية، مهما كان مقتنعا بأنه يحمي النظام أو يفرض الإنضباط.

والدستور المغربي واضح في مبادئه الكبرى.

فــ”الفصل الثالث” ينص على أن الإسلام دين الدولة، ويضمن الدولة لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية، فيما يؤكد “الفصل الحادي والثلاثون” الحق في الإستفادة من تعليم عصري ميسر وذي جودة، ويقرر “الفصل الثاني والثلاثون” أن التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة.

وهذه المقتضيات تفرض على المؤسسات العمومية أن تتعامل مع المتعلمين بمنطق الحقوق والمسؤولية، لا بمنطق الإقصاء والإرتجال.

غير أن الدقة القانونية تفرض أيضا ألا نحمل هذه الفصول ما لا تنص عليه صراحة.. فهي لا تحسم وحدها جميع التفاصيل المتعلقة بلباس التلميذات، ولا تعني أن كل قاعدة للزي المدرسي غير مشروعة، إنما تعني أن أي منع أو إجراء إداري ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني أو تنظيمي قابل للتحقق، وأن يكون مشروعا ومتناسبا مع الغاية منه، مع مراعاة حقوق التلميذات ومصلحتهن الفضلى.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل مؤسسة تمنع تلميذة من ٱرتداء لباس تختاره عن قناعة:

– ما النص القانوني أو التنظيمي المحدد الذي تستند إليه؟

– وهل يتعلق الأمر بقرار صادر عن جهة مختصة، أم بمجرد تعليمات شفوية وٱجتهاد شخصي؟

– وهل روعيت حقوق التلميذة وحقها في متابعة دراستها، أم أصبح باب المدرسة مشروطا بالتنازل عن قناعة شخصية؟

 

إنه سؤال قانوني قبل أن يكون سجالا دينيا، وسؤال تربوي قبل أن يكون معركة حول المظهر.

فالمدرسة فضاء للتربية على ٱحترام القانون، والتعدد، والمسؤولية، والعيش المشترك، وإذا كان من واجب المؤسسة فرض الإنضباط وحماية سلامة المتعلمين وضمان شروط التعلم، فإن ذلك لا يمنح أي مسؤول حق تحويل ٱختلاف المظاهر إلى مبرر للإهانة أو التضييق أو الحرمان من الدراسة.

أما إذا ٱقتضت بعض الحالات التحقق من الهوية أو مراعاة متطلبات السلامة، فينبغي التعامل معها وفق إجراءات واضحة ومتناسبة، لا بٱستعمال المنع الشامل أو العقوبات المرتجلة.

والأخطر من ذلك أن تتحول بعض القرارات الفردية إلى رسائل سلبية في وجدان التلميذات، مفادها أن القبول داخل المؤسسة مشروط بأن يشبهن ما يريده المسؤول، لا بأن يحترمن القانون ويجتهدن في دراستهن.

– فهل نريد مدرسة تعلم الفتاة كيف تفكر وتبحث وتناقش، أم مدرسة تشغلها بالخوف من مظهرها قبل أن تُشغلها بكتابها ومستقبلها؟

 

إن التربية الحقيقية لا تقوم على إذلال المتعلم، ولا على فرض القناعات بالقوة، بل على الحوار والقدوة وٱحترام القانون، ومن عجز عن إقناع التلميذة بمنطق تربوي واضح، فلا ينبغي أن يعوض عجزه بسلطة المنع.

والمطلوب ليس منح أي لباس حصانة من كل تنظيم مشروع، ولا تحويل النقاب إلى معيار للتفوق أو التدين، بل وضع المسؤولية الإدارية في مكانها الصحيح:

«لا أحد فوق القانون، لا التلميذة ولا الأستاذ ولا المدير ولا المؤسسة».

ومن تعرضت للمنع أو التهديد أو الإهانة بسبب لباسها، فمن حقها وأسرتها المطالبة بتوضيح مكتوب للقرار وأساسه، والتقدم بتظلم إلى المديرية الإقليمية أو الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، بحسب الحالة، ثم سلوك المساطر القانونية المناسبة إذا ٱقتضى الأمر ذلك.

والأفضل توثيق الواقعة والٱحتفاظ بالقرارات والمراسلات، بدلا من الٱكتفاء بالتداول الغاضب على مواقع التواصل الإجتماعي.

وفي المقابل، فإن أي ٱتهام لمسؤول بعينه ينبغي أن يستند إلى وقائع قابلة للتحقق، مع تمكينه من توضيح موقفه، لأن الدفاع عن الحقوق لا يكتمل بالتشهير، بل بٱحترام الحقوق نفسها.

أما قصة “البروفيسورة نجلاء الردادي”، فإن دلالتها تستحق التأمل، مع ضرورة التحقق من تفاصيل التصنيف العلمي وعدد سنوات الإدراج من مصادره الأصلية، فقوائم “أفضل 2% من العلماء” تعتمد مؤشرات للٱستشهادات العلمية والتأثير البحثي، ولا ينبغي تقديمها بٱعتبارها حكما مطلقا على كل أوجه التميز العلمي.

ومع ذلك، تبقى الرسالة الأساسية واضحة:

«لا ينبغي أن يكون اللباس بديلا عن الكفاءة، ولا أن يصبح الٱختلاف في المظهر حاجزا أمام العلم».

إن المفارقة الساخرة حقا أن العالم قد ينشغل بقراءة آلاف الٱستشهادات العلمية في أبحاث عالمة محجبة أو منتقبة، بينما ينشغل مسؤول محلي بعدد السنتيمترات التي تغطي بها تلميذة رأسها! الأول يسأل عما أضافه عقلها إلى المعرفة الإنسانية، والثاني قد يجعل مظهرها موضوعا لنزاع إداري لا يستند بالضرورة إلى قاعدة واضحة.

فيا أيها المسؤولون، أصلحوا ما يحتاج إلى إصلاح في مدارسنا، ووفروا شروط التعلم الكريم، وواجهوا الهدر المدرسي، وٱرتقوا بمستوى التحصيل، وٱتركوا ما لا يدخل ضمن ٱختصاصكم من القناعات الشخصية لأصحابها، في حدود القانون.

فليس من البطولة أن تنتصر على تلميذة، ولا من الحكمة أن تشعر فتاة بأن مستقبلها الدراسي رهين بتغيير مظهرها.

البطولة أن تفتح أمامها أبواب المعرفة، وأن تجعلها قادرة على المنافسة والإبداع، وأن تحمي حقها في التعليم دون تمييز أو تعسف.

 

وفي النهاية، لا تقاس عظمة المدرسة بقدرتها على فرض شكل واحد على جميع التلميذات، بل بقدرتها على صناعة عقول مختلفة، حرة في تفكيرها، منضبطة في سلوكها، متفوقة في علمها، ومحترمة للقانون.

أما المسؤول الذي يعتقد أن منع قطعة قماش أسهل من إصلاح منظومة تعليمية، فليتذكر أن التاريخ لا يحتفظ بأسماء من ضيقوا على التلميذات بسبب مظهرهن، بقدر ما يحتفظ بأسماء من فتحوا أمامهن أبواب العلم.

فالعالمية لا تحتاج إلى إذن من مدير مؤسسة، والكرامة لا تمنح بقرار إداري، والعلم لا يسأل الباحثة عن لباسها قبل أن يقرأ نتائج أبحاثها.

وما أحوج بعض مسؤولينا إلى فهم هذه الحقيقة قبل أن تتحول المدرسة من فضاء لصناعة المستقبل إلى مكتب لتفتيش المظاهر!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.