الإنتخابات… حين تتصدر الصناديق ويبدأ السؤال الأكبر.

0 478

 

 

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي

[ذ.هشام الدكاني]

 

لم تكن ليلة 23 شتنبر مجرد ليلة لإحصاء الأصوات وإعلان الأرقام، بل كانت لحظة سياسية أعادت ترتيب المشهد الحزبي المغربي، وفتحت في الوقت نفسه بابا واسعا من الأسئلة حول شكل الحكومة المقبلة، وتركيبتها، وأسماء من سيجلسون حول طاولة القرار خلال المرحلة القادمة.

 

النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية “عبد الوافي لفتيت”، في الساعات الأولى من صباح الخميس 24 شتنبر، وضعت حزب «الأصالة والمعاصرة» في صدارة الإنتخابات التشريعية بـ97 مقعدا، متبوعا بـ«التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعدا، ثم حزب «الإستقلال» بـ65 مقعدا، «فالعدالة والتنمية» بـ54 مقعدا.

وحصلت «الحركة الشعبية» على 29 مقعدا، و«الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية» على 26، و«التقدم والإشتراكية» على 19، و«الإتحاد الدستوري» على 17، فيما توزعت المقاعد المتبقية بين عدد من الأحزاب والتحالفات.

لكن، الرقم الذي ينبغي ألا يمر مرور الكرام ليس فقط رقم الحزب المتصدر، وإنما أيضا [38.08] في المائة، وهي نسبة المشاركة الوطنية بحسب المعطيات التي أعلنها وزير الداخلية، أي أن الإنتخابات أفرزت برلمانا جديدا في ظل مشاركة لم تتجاوز عتبة نصف المسجلين، وهو معطى يستحق قراءة سياسية ومجتمعية هادئة، بعيدا عن المبالغة أو التوظيف الإنتقائي للأرقام.

والأهم أن حزب «الأصالة والمعاصرة»، الذي تصدر النتائج، لم يصل إلى أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، فمجلس النواب يتكون من 395 مقعدا، ما يجعل تشكيل أغلبية حكومية رهينا بتحالفات ومشاورات سياسية ستبدأ عمليا بعد ظهور النتائج وٱستكمال مساطرها القانونية.

وهنا تبدأ السياسة الحقيقية..

فالفوز بالمرتبة الأولى شيء، والقدرة على تشكيل أغلبية منسجمة وقادرة على تحمل مسؤولية الحكومة شيء آخر، والنتيجة التي حملها صندوق الإقتراع إلى حزب «الأصالة والمعاصرة» تمنحه موقعا مركزيا في المرحلة المقبلة، لكنها لا تعفيه من ٱمتحان التحالفات والبرنامج والقدرة على تدبير مرحلة سياسية وٱقتصادية وٱجتماعية شديدة التعقيد.

كما أن وجود «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعدا والإستقلال بـ65 مقعدا يجعل الحزبين عنصرين أساسيين في أي حسابات مرتبطة بالأغلبية المقبلة، خصوصا أن الأحزاب الثلاثة كانت مكونات للحكومة المنتهية ولايتها.

لكن الإنتخابات أعادت ترتيب مواقعها داخل المشهد، بعدما ٱنتقل حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة النتائج، بينما جاء «الأحرار» ثانيا و«الإستقلال» ثالثا.

أما «العدالة والتنمية»، فإن حصوله على 54 مقعدا يضعه من جديد داخل المعادلة البرلمانية بقوة أكبر مما كان عليه في بداية الولاية السابقة، ويمنحه موقعا مهما في المعارضة أو في أي ترتيبات سياسية قد تفرزها المرحلة المقبلة، بحسب ٱختياراته ومواقف باقي الأحزاب.

غير أن عدد المقاعد وحده لا يكفي لمعرفة طبيعة دوره، فذلك سيتحدد أيضا من خلال مواقفه السياسية وموقعه من الأغلبية المقبلة.

وفي الطرف الآخر، هناك أحزاب ستدخل البرلمان بأعداد أقل، لكنها قد تجد لنفسها أدوارا مهمة في التوازنات البرلمانية، خصوصا أن الخريطة الجديدة لا تمنح حزبا واحدا قدرة منفردة على التحكم في الأغلبية.

واللافت كذلك أن هذه الإنتخابات جرت بمشاركة 28 حزبا وتحالفا، مع تقديم 1,850 لائحة وترشيح

7,288 مرشحا ومرشحة للتنافس على 395 مقعدا، وفق المعطيات الرسمية المنشورة قبل الٱقتراع.

وهو ما يعكس حجم المنافسة، لكنه يطرح في المقابل سؤالا قديما متجددا حول قدرة المواطن على التمييز بين البرامج والٱختيارات، بعيدا عن الأشخاص والوعود والحملات الإنتخابية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ظهور النتائج ليس فقط:

– من فاز؟

بل:

– ماذا سيفعل الفائزون بهذا الفوز؟

– هل ستتحول المقاعد إلى برنامج حكومي واضح؟

– هل ستكون الأولوية للقدرة الشرائية، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، وتقليص الفوارق الإجتماعية والمجالية؟

– وهل ستستطيع الحكومة المقبلة أن تقنع المواطن بأن الإنتخابات لم تكن مجرد محطة لتغيير أسماء داخل المؤسسات، وإنما وسيلة لإنتاج سياسات عمومية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟

 

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

– ماذا ستفعل الأحزاب بنتيجة المشاركة البالغة [38.08] في المائة؟

فالمشاركة ليست مجرد نسبة تكتب في أسفل البيانات الإنتخابية.. إنها أيضا مؤشر ينبغي للأحزاب أن تقرأه بجدية، لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات السياسية على إقناع المواطنين بأن صوتهم له معنى، وأن السياسة قادرة على تحويل الوعود إلى نتائج.

أما الحديث عن رئيس الحكومة المقبل، فيحتاج إلى قدر كبير من الدقة.

فالدستور ينص في الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر ٱنتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ثم يتم تعيين أعضاء الحكومة بٱقتراح من رئيسها.

ولذلك، فإن تصدر «الأصالة والمعاصرة» يضعه في قلب هذا المسار الدستوري، لكن تشكيل الحكومة نفسها يظل مرتبطا بالمشاورات وبالتحالفات وبالصيغة التي ستستقر عليها الأغلبية المقبلة.

وهنا تحديدا سيكون على المتابعين أن يميزوا بين الخبر والتحليل، وبين الطموح السياسي والقرار الدستوري، وبين ما يقال في الكواليس وما سيخرج رسميا إلى الرأي العام.

 

فالمرحلة المقبلة قد تكون أهم من ليلة إعلان النتائج نفسها.

لقد ٱنتهى الإقتراع، لكن لم تنته الإنتخابات بالمعنى السياسي.

ٱنتهت معركة الصناديق، وبدأت معركة التحالفات والبرامج والمسؤوليات.

وإذا كان حزب «الأصالة والمعاصرة» قد خرج من ليلة 23 شتنبر متصدراً للنتائج، فإن السؤال الذي سيطارده منذ صباح اليوم ليس:

كم مقعدا حصلتم؟

بل:

ماذا ستفعلون بهذه المقاعد؟

 

فالمغربي الذي ذهب إلى صندوق الإقتراع، والمغربي الذي ٱختار ألا يذهب، كلاهما ينتظر شيئا واحدا في النهاية:

«أن تتحول السياسة من موسم للوعود إلى مسؤولية يومية، وأن يصبح البرلمان أكثر من مجرد أرقام، والحكومة أكثر من مجرد أسماء، والإنتخابات أكثر من مجرد محطة تتكرر كل خمس سنوات».

الصندوق أعطى الأرقام… والآن جاء دور السياسة لتقدم الأجوبة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.