
عن عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، صدر كتاب: من الرماد إلى الذهب – سندريلا في فساتين منهجية متقاطعة.
يقع الكتاب في 240 صفحة، مقاس 24/17. ومما نقرأ في مقدمته: ‘الأساطير والخرافات والحكايات والقصص القديمة لا تموت، وإنما تغيِّرُ شكلَها، تُبتَعَثُ وتُستَحْضَرُ ويُعادُ خلقُها. وتَعبُـرُ الأزمنةَ والقرون والجغرافيات، تماما مثل الأشباح، مُنغرِسةً ومُتَجَذِّرَةً في ذاكرة الناس ولا شعورهم الجمعي. تلخِّص الحكايات تجاربَ الشعوبِ وقيـمَها الأخلاقية والإيديولوجية. وكل حكاية، مهما بدت خرافية أو أسطورية أو عجائبية أو مرعبة أو مظلمة، لا تنـزل من السماء كما لا تولد من العدم، وإنما هي صدى مخاوف الإنسان وهواجسه وآماله ورغباته ومكبوتاته ووساوسه وطموحاته، ومرايا تنعكس فوق صفحتها الصقيلة التوجسات الإنسانية وصيغ تمثلات العالم ورؤيته. الحكاية خطاب يقاوم الزمن ويصمد أمامه لمدة طويلة من الزمن. وضـمـن هذه الحكايات والأساطير: حكاية سندريلا، التي جابت كل بقاع الأرض وحطت الرحال في جميع البلدان والألسن والحقول الثقافية.
ووَفْقَ المنظور الـمعلن عنه في السطور السابقة، ليست سندريلا حكاية طفولية بسيطة فحسب، بل إنها استكشاف للتحول، ولديناميات عائلية معقدة، ولرمزية غنية. حكايةُ ولادةٍ جديدة، وانعكاس للّاوعي الـجمعي، ومصدر إلهام خالد. إنها حكاية فتاة صغيرة تعرضت لأقسى وأقصى أشكال الإساءة والإذلال، لكنها أصبحت أميرة؛ حكاية خرافية يعرفها الجميع. لكن الجميع لا يعرف أن هذه الحكاية مُفعمة بالعديد من المعاني والدلالات الرمزية العميقة، ويمكن تحليلها من منظورات مختلفة، ضمنها منظور تاريخ الأدب والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا الثقافية والبنيوية والسيميائيات السردية والبنيوية التكوينية والنقد الاجتماعي والتداوليات والأريولوجيا أو علم المناطق، أي العلم الذي يدرس التوزيع الجغرافي للسمات الثقافية، وخاصة الحكايات والأساطير؟ كما أن الجميع مِـمَّن يحرس الحكايات الخيالية وأساطير الأولين يعرف:
أولا. لكل بلد في العالم، من مصر الفرعونية والصين والهند إلى روسيا، ومن فيتنام إلى شمال أفريقيا وغربها واسكتلندا وشمال الكرة الأرضية، ومن جورجيا وصربيا واليونان إلى المكسيك وبلاد الهنود الحمر، روايتُه التقليدية الخاصة لحكاية سندريلا: رودوبيس (مصر) يي شيان (الصين) حكاية تام وكام (فيتنام)، بابا ياجا (روسيا)، سيتاريه (بلاد فارس) السرج العاهرة (اليونان)، بيبليوغا (صربيا)، آشي بيلت (أيرلندا)، أشينبوتل (ألمانيا) كونكياجارونا (جورجيا)، سينيسينتا (إسبانيا)، دوميتيلا (المكسيك)، الفتاة ذات الوجه الخشن (الهنود الحمر)، تشيني (غرب أفريقيا)، حجّاية عيشة الرُمَّادة (المغرب)، مارسيغد [بالأمازيغية] (كانِسَةُ الرماد)…
ثانيا. دمجت العديد من قبائل السكان الأصليين لأمريكا حكاية سندريلا الأوروبية مع أساطيرها الخاصة لخلق نسخ فريدة من الحكاية. فعلى سبيل المثال، دمج السكان الأصليون من شعب الميكماك حكاية سندريلا الفرنسية مع أساطيرهم المحلية لخلق نسخة تُسمى: الخفية. ومن بين الروايات الأمريكية الأصلية الأخرى، حكاية قطيع الديك الرومي والفتاة خشنة الوجه.
ثالثا. تم تدوين هذه الحكاية لأول مرة في مصر القرن الميلادي الأول، وفي الصين خلال القرن التاسع الميلادي (853 م) على يد دوان تشنغشي، غير أن أسلوبها السردي داخل السور العظيم يوحي أنها كانت حكاية معروفة ومتداولة لدى قرائها. مما يعني أن عمرها لا يقل عن 1140 عامًا!
رابغا. لم يُنشر التدوين اللاحق إلا بعد أكثر من ثمانمائة عام، عندما نشرها الفرنسي شارل بيرو في فرنسا عام 1697، والأخوان غريم في ألمانيا بداية القرن التاسع عشر. وهذه النسخ هي الأكثر شيوعًا بين الأوروبيين والأمريكيين. ربما لأنها ألطف من معظم النسخ الأخرى التي تنتهي بتشويه أو قتل الأختين غير الشقيقتين الشريرتين، ولأنها تنسجم مع الأخلاق المسيحية وتتوافق مع نـمط الإنتاج الرأسمالي الفرداني.
خامسا. هناك ما يقرب من 1500 نسخة من حكاية سندريلا، بما في ذلك الروايات المعاد سردها، والأشرطة السينمائية والمسرحيات الموسيقية والأوبرا والكتب المصورة والرسوم المتحركة والأشرطة المسموعة بالعديد من لغات العالم!
وعليه، فـحكاية سندريلا كونيةٌ متعددة الجوانب والمستويات والمقاصد، وليست حكاية أطفال بسيطة أو خرافة مسلية لاستجلاب النوم عند السُهاد والأَرَق، بل أكثر من ذلك، هي حكاية تمتد عبر ثقافات وألسنة وعصور وجغرافيات. ويمكن العثور على نسخ مختلفة منها في خمس قارات، وفي كل زوايا الأرض بمئات اللغات. ولكل نسخة منها تفاصيلها الدقيقة والبليغة ورموزها الـخاصة والمتميزة.
د. عبد الجليل الأزدي
باحث أكاديمي