الاديب والاعلامي عبد الرحيم عاشر في حوار: «المهمشون يضحكون فوق الأرض».. حين تتحول الرواية إلى مرآة للمجتمع. وتفضح الفساد الانتخابي …….
يُعتبر الأديب والروائي المغربي عبد الرحيم عاشر من الأسماء التي اختارت الاشتغال على الرواية باعتبارها فضاءً مفتوحاً لطرح الأسئلة الاجتماعية والإنسانية والسياسية، والاقتراب من قضايا الإنسان المهمش والتحولات التي يعرفها المجتمع. ومن خلال تجربته الأدبية، يسعى عاشر إلى بناء سرد روائي يستحضر الواقع بتناقضاته، ويمنح الشخصيات المهمشة صوتاً وحضوراً داخل المتن الحكائي، في محاولة لمساءلة الواقع وكشف بعض مظاهره الخفية.
وفي تجربته الروائية الجديدة «المهمشون يضحكون فوق الأرض»، يواصل عبد الرحيم عاشر هذا المسار، من خلال عمل يحمل عنواناً ذا حمولة رمزية قوية، ويفتح المجال أمام قراءة متعددة الأبعاد لعلاقة الإنسان بالهامش والسلطة والمجتمع، ولقدرة الأدب على تحويل المعاناة اليومية إلى مادة للسؤال والتأمل والنقد.. التقيناه فكان نص الحوار:
س: كيف تقدمون روايتكم الجديدة «المهمشون يضحكون فوق الأرض»؟ وما الذي يمكن أن تضيفه إلى المشهد الثقافي المغربي والعربي؟
ج: أعتبر «المهمشون يضحكون فوق الأرض» تجربة روائية جديدة أحاول من خلالها الإسهام في إغناء المشهد الثقافي الوطني والعربي، وتعزيز حضور الرواية باعتبارها جنساً أدبياً قادراً على مساءلة الواقع والتعبير عن التحولات التي يعيشها الإنسان.
والرواية المغربية ليست وليدة اليوم، بل لها امتداد تاريخي وحضاري مهم، واستطاعت أن تفرض حضورها بقوة داخل الوطن وفي الاحتفالات والصالونات الأدبية بالمشرق العربي. ويكفي أن نستحضر أعمال أسماء وازنة مثل محمد زفزاف وعبد الكريم غلاب وغيرهم من الروائيين الذين أسهموا في بناء صرح الرواية المغربية.
وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من الروائيين والروائيات الذين أثروا السرد العربي بأعمال نوعية حازت جوائز عربية ودولية، من بينهم عبد المجيد سباطة، وطارق بكاري، ومحمد سعيد أحجيوج، ويوسف كرماح، وإسماعيل غزالي. وهذا الجيل يقدم بدوره رؤية روائية جديدة تلامس قضايا الإنسان المغربي والعربي وأسئلة الجيل الجديد.
س: نعود إلى عنوان روايتكم «المهمشون يضحكون فوق الأرض». العنوان يحمل الكثير من الدلالات والرمزية. في أي خانة يمكن تصنيف الرواية؟
ج: لنكن صريحين، الفن لا يمكن وضعه دائماً داخل خانة محددة أو إحاطته بجدار معين. الفن هو المطلق، وهو الصادق في التعبير عن أحاسيسنا ومشاعرنا وعن المحيط الذي نتجانس داخله، والذي نصارع ونتعارك مع أطرافه في ديمومة يصعب أحياناً الخروج منها.
لذلك، أترك للقارئ مساحة واسعة في تأويل العنوان وفهم دلالاته. «المهمشون يضحكون فوق الأرض» ليست مجرد عبارة، وإنما مدخل إلى عالم مليء بالتناقضات؛ عالم يعيش فيه الإنسان بين الهامش والمركز، بين الحلم والواقع، وبين الرغبة في التغيير وقوة الاستسلام للأمر الواقع.
س: وبكل صراحة، كيف تقرأون رواية «المهمشون يضحكون فوق الأرض»؟ وما الذي أردتم فضحه أو مساءلته من خلالها؟
ج: الرواية، في قراءتي، تفضح جانباً من المشهد السياسي، وتجرنا إلى عالم واقعي نعيشه ونراه من حولنا. إنها تضع القارئ أمام شخصيات مركبة، همها الوحيد أحياناً بيع الشعارات الباردة والتسابق نحو الكراسي والمواقع.
الرواية تأخذنا إلى عالم الشعارات الانتخابية والبرامج التي لا تجد طريقها دائماً إلى التنفيذ، وإلى واقع تتكرر فيه الوجوه والسيناريوهات نفسها، إلا من رحم ربي. وهذا التكرار هو أحد الأسئلة التي حاولت الرواية طرحها: لماذا تتغير الخطابات بينما تظل بعض الممارسات ثابتة؟
ولعل السؤال الذي يوجهه عبد الرحمان في الرواية: «ماذا يطبخون هذه المرة؟» يلخص جانباً كبيراً من حالة القلق والانتظار والشك التي تعيشها الشخصيات، كما يعكس حالة المواطن الذي يجد نفسه أمام مشهد سياسي تتغير فيه العناوين، بينما تستمر بعض الممارسات نفسها.
س: وماذا عن شخصيات الرواية؟ نلاحظ حضور عبد الرحمان وحليمة وصفاء وليلى وموح وإبراهيم…في صراع مع السيد صلاح الذي يمثل حالةالفساد
ج: هذه الشخصيات ليست مجرد أسماء تتحرك داخل الرواية، وإنما هي جزء من عالم اجتماعي وإنساني متكامل. عبد الرحمان وحليمة وصفاء وليلى وموح وإبراهيم، كل شخصية تحمل جرحها وذاكرتها وتجربتها الخاصة.ضد اشخاصا يسابقون الريح ليعتلوا المناصب على احلام الفقراء والمهمشين
إننا امام شخصيات عانت البؤس والدمار وناضلت بصدق وتم تهميشها لكنها لم تستسلم رغم ما تعرضت له من إحباطات وانكسارات،لذا تواصل النضال وتطالب بالإصلاح وتحارب الفساد كل من موقعه.
لذاأردت أن أمنح هذه الشخصيات حق الكلام، لأن المهمش ليس بالضرورة شخصاً بلا موقف أو بلا حلم. قد يكون المهمش أكثر وعياً بما يجري، وأكثر قدرة على طرح الأسئلة، وربما أكثر إصراراً على التغيير.
س: هل يمكن اعتبار الرواية عملاً سياسياً بالدرجة الأولى؟
ج: لا أعتقد أن الرواية يمكن اختزالها في تصنيف واحد. هي رواية إنسانية واجتماعية، والسياسة حاضرة فيها لأنها جزء من الواقع الذي نعيشه. عندما يكتب الروائي عن الإنسان، فمن الصعب أن يتجاهل محيطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
أنا لا أكتب لأقدم خطباً سياسية، وإنما أحاول أن أضع القارئ أمام أسئلة ومواقف وشخصيات، وأن أترك له حرية الحكم والتأويل. الرواية ليست بياناً سياسياً، وإنما فضاء للتفكير والمساءلة وكشف ما قد نحاول أحياناً تجاهله.
س: في النهاية، ماذا تريدون أن يقول القارئ بعد الانتهاء من الرواية؟
ج: أتمنى أن يخرج القارئ بأسئلة أكثر مما دخل به. الرواية الناجحة، في نظري، ليست التي تقدم أجوبة جاهزة، وإنما التي تجعل القارئ يعيد النظر في الأشياء من حوله.
وأتمنى أيضاً أن يسمع القارئ صوت أولئك الذين يعيشون في الهامش، وأن يدرك أن الضحك فوق الأرض يمكن أن يكون فعلاً من أفعال المقاومة، وأن الإنسان، مهما حاصرته الظروف، يستطيع أن يحافظ على حلمه وكرامته وإيمانه بإمكانية التغيير.
يُشار إلى أن تجربة الأديب المغربي عبد الرحيم عاشر تتسم بالتنوع والغنى، إذ امتدت إلى أجناس أدبية متعددة، من الشعر والقصة إلى الرواية، ما جعله يراكم تجربة إبداعية لافتة في المشهد الأدبي المغربي. وقد استهل مساره بالمجموعتين القصصيتين «زمن الوهم» و«الغارقون»، قبل أن ينتقل إلى الشعر من خلال ديوان «سقف الموت»، الذي قدمته الشاعر المغربي عبد الرفيع جواهري وديوان في فمه حجة الكلام التي قدمته الشاعرة والاديبة الاستاذة الفاضلة مليكة العاصمي، ليواصل بعد ذلك حضوره في مجال الرواية عبر مجموعة من المتون الروائية الوازنة، من بينها «المخادعون»، و«مجنون في زمن الموت»، و«ربيع الغضب»، و«الهاربون إلى الظلام»، وصولاً إلى تجربته الجديدة «المهمشون يضحكون فوق الأرض».