من السيطرة إلى التشويه… حين يصبح الٱختلاف جريمة!”..

0 659

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست كل محاولات السيطرة تمارس بالقوة، ولا كل الرغبة في إخضاع الآخر تحتاج إلى سلطة أو منصب أو نفوذ.
أحيانا تبدأ الحكاية بكلمة، أو بنصيحة تتجاوز حدودها، أو بمحاولة دفعك إلى التفكير بالطريقة نفسها التي يفكر بها الآخر، ثم تتطور شيئا فشيئا إلى رغبة في التحكم في مواقفك، وٱختياراتك، وعلاقاتك، وحتى في صورتك أمام الناس.
وحين ترفض أن تكون تابعا، وتتمسك بحقك الطبيعي في أن تقول «لا»، قد ينتقل الطرف الآخر من محاولة إقناعك إلى محاولة معاقبتك.
وهنا تبدأ أخطر مراحل اللعبة: (تشويه السمعة).
فالشخص الذي لا يستطيع تغيير موقفك، قد يحاول تغيير نظرة الآخرين إليك.
والذي يفشل في السيطرة على قرارك، قد يحاول السيطرة على الرواية التي تقال عنك.
والذي يعجز عن هزيمتك في الواقع، قد يبحث عن هزيمتك في أعين الناس.
وهذا النوع من السلوك ليس مجرد خلاف عابر، بل قد يتحول إلى نمط من التلاعب والضغط النفسي، خصوصا عندما يصبح الٱختلاف في الرأي سببا للٱنتقام أو التحريض أو نشر الكلام المسيء.

فالإنسان السوي يقول لك:
«هذا رأيي، ولك كامل الحق في أن تختلف معي».
أما عقلية السيطرة فتقول لك، بشكل مباشر أو غير مباشر:
«إما أن تكون معي، أو سأجعلك تدفع ثمن ٱختلافك».

ومن هنا تبدأ المشكلة.. فحين يصبح الٱختلاف تهديدا، يصبح الهدف ليس إقناع الآخر، وإنما إخضاعه.
وحين يفشل الإخضاع، يبدأ التشويه.
ولعل أقرب مثال إلى ذلك ما عشته شخصيا، وبكل أسف، خلال الأشهر الماضية.
فأخي الأكبر، الذي أحبه أكثر من نفسي، والذي ظل على ٱمتداد سنوات سندا للكثير من زملائه في العمل، بشهادة القريب والبعيد، تعرض لطعن في سمعته من شخص سبق له أن عمل تحت إمرته.
كنت يومها رفقة بعض الأصدقاء في أحد المقاهي، ولم أكن حاضرا أثناء الواقعة.
وبعد ذلك، علمت أن شخصا كان حاضرا معنا المقهى، ما إن ذكر أمامه ٱسم أخي الكامل (خارج المقهى طبعا)، حتى بادر إلى الحديث عنه بسوء، ووجه إليه كلاما جارحا (وراء ظهره)، وٱنتقاصا لا ينسجمان إطلاقا مع ما أعرفه عن أخي، ولا مع ما عرفه عنه من عاشروه وعملوا معه.

ولا أخفي أنني، عندما علمت بالأمر، ٱستشاط غضبي.
فمن الطبيعي أن يغضب الإنسان حين يساء إلى شخص يحبه ويقدره، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأخ أكبر كان دائما سندا وعونا للآخرين.
لكنني تريثت… رفضت أن أحول الغضب إلى مواجهة من لايستحق، وقلت في نفسي:
«الحقيقة لا تحتاج إلى ٱنفعال، والرجال تعرف بسيرتها ومواقفها، لا بكلام عابر يقال خلف الجدران».

مرت قرابة أربعة أشهر، ثم جاءت الحقيقة من حيث لم أكن أتوقع.
فخلال مكالمة هاتفية دارت بين الصديق نفسه الذي وجه له الكلام، وأحد المسؤولين الكبار في الجهاز نفسه، وهو رجل مشهود له بالكفاءة والمهنية وحسن الخلق والأخلاق، جرى الحديث عن عدد من الأشخاص الذين سبق لهم العمل في المنطقة نفسها.
وإذا باسم أخي يذكر،
لكن، هذه المرة لم أسمع طعنا ولا ٱنتقاصا ولا إساءة.
بل سمعت كلاما جعلني أشعر بفخر وٱعتزاز كبيرين.
فقد تحدث ذلك المسؤول الكريم عن أخي، بكل تقدير وٱحترام، مستحضرا ما عرفه عنه من خصال ومهنية، وهو نفسه ممن سبق له أن عمل تحت إمرته في المنطقة ذاتها التي حاول فيها صاحب الرواية الأولى أن يشوه صورته.

والأهم من ذلك كله أن الشخص المسؤول لم يكن يعلم حينها بحضوري، ولم يكن يعلم أن كلماته ستصل إلى شخص كان قد سمع قبل أشهر رواية مختلفة تماما.

كنت أستمع بصمت، وكل كلمة كانت بالنسبة إلي شهادة جاءت من حيث لا أتوقع.
شهادة لم أطلبها، ولم أبحث عنها، ولم يسع صاحبها إلى مجاملتي أو مجاملة أخي.
وهنا شعرت أن الله تعالى قد أظهر الحقيقة في الوقت الذي شاء، وبالطريقة التي شاء.

فما قاله شخص بدافع الحقد أو الغيرة أو الخصومة، لم يستطع أن يمحو سنوات من السيرة الطيبة، ولا شهادات من عرفوا الرجل عن قرب، ولا المواقف التي تركها خلفه في نفوس من عملوا معه.
لقد أدركت يومها أن الإشاعة قد تكون أسرع من الحقيقة، لكنها ليست أقوى منها.
فالحقيقة قد تتأخر، لكنها حين تظهر، لا تحتاج إلى كثير من الضجيج.

وهكذا تولد الإشاعة، يا سادة:
«يختلقها حاقد، ويصدقها حاسد، حتى تتحول الكذبة من كلام عابر إلى حقيقة في أذهان من لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال!».

والمشكلة أن الإنسان الذي يتعرض للتشويه يجد نفسه أحيانا مضطرا للدفاع عن نفسه أمام قصة لم يصنعها أصلا.
وقد يستهلك وقته وطاقته في الرد على كلام لا يستحق الرد.
لكن التجربة علمتني أن كل إشاعة لا تحتاج بالضرورة إلى معركة.
أحيانا يكون الصمت أكثر قوة.
وأحيانا يكون أفضل رد هو الإستمرار في الطريق نفسه، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه لا يحتاج إلى أن يشرحها لكل عابر.

ومن التجربة الشخصية إلى المجال العام، نجد أن هذه العقلية يمكن أن تصبح أكثر خطورة حين تنتقل من الأفراد إلى السياسة والمجتمع.
ففي جزء من عالمنا العربي، لا يزال الٱختلاف يعامل أحيانا بٱعتباره خصومة، والنقد بٱعتباره تهديدا، والموقف المستقل بٱعتباره خروجا عن الصف.
وهنا تظهر عقلية:
«معنا أو ضدنا».

وهي عقلية خطيرة، لأنها لا تبحث عن مواطن يفكر، وإنما عن مواطن يوافق.
لا تريد صحفيا يسأل، وإنما صحفيا يردد.
ولا تريد مثقفا يناقش، وإنما مثقفا يصفق.
ولا تريد معارضة قوية، وإنما معارضة لا تتجاوز الخطوط المرسومة لها.

والأمم لا تتقدم بهذه الطريقة.
فالدولة القوية ليست التي تمنع الٱختلاف، وإنما التي تستطيع أن تستوعبه.
والمجتمع القوي ليس الذي يتفق أفراده على كل شيء، وإنما الذي يعرف كيف يختلفون دون أن يتحولوا إلى أعداء.
والمغرب، وهو يعيش تحولات ٱجتماعية وسياسية متسارعة، ليس بعيدا عن هذا النقاش.

فمن حق المواطن أن يسأل.
ومن حق الصحفي أن ينتقد.
ومن حق المثقف أن يختلف.
ومن حق الموظف أن يقول إن قرارا ما غير صائب.
ومن حق الإنسان، قبل كل شيء، أن يحتفظ بٱستقلاله الفكري وألا يكون مضطرا إلى تبني آراء الآخرين حتى يحظى برضاهم.

النقد ليس خيانة، والٱختلاف ليس عداء، والٱستقلال في الرأي ليس تمردا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح رفض الإنصياع سببا في الإنتقام.
عندما تتحول كلمة «لا» إلى جريمة.
وعندما يصبح الٱختلاف مناسبة لتشويه السمعة.
وعندما يبدأ البعض في البحث عن طريقة لإسقاط الإنسان ٱجتماعيا بعدما عجز عن إسقاطه فكريا.

وهنا تصبح المسألة أكبر من خلاف بين شخصين.
إنها مسألة تتعلق بثقافة كاملة في التعامل مع الآخر.
– هل نريد مجتمعا يحترم الإنسان لأنه مختلف؟
– أم مجتمعا لا يحترمه إلا إذا كان نسخة منه؟
– هل نريد مواطنين أحرارا في تفكيرهم؟
– أم نريد أتباعا يرددون ما يقال لهم؟

إن أخطر أشكال السيطرة ليست السيطرة على الجسد، وإنما السيطرة على العقل.
والأخطر منها أن يحاول شخص أن يجعل الآخرين يعتقدون أن ٱختلافك معه دليل على أنك سيئ.
فمن لا يستطيع أن يغير موقفك، قد يحاول تغيير صورتك.
ومن لا يستطيع أن يكسب حجته، قد يحاول إسقاط مصداقيتك.
ومن لا يستطيع أن يقنع الناس بأنه أفضل منك، قد يحاول إقناعهم بأنك أسوأ مما أنت عليه.
لكن الحقيقة لها سلاح لا تستطيع الإشاعة ٱمتلاكه:
«الزمن».

فالزمن يكشف من كان صادقا، ومن كان يختلق الروايات.
يكشف صاحب المواقف، وصاحب الأقنعة.
يكشف من عاش محترما بين الناس، ومن عاش على حساب سمعة الآخرين.
ولهذا لا أخشى كثيرا على الإنسان الذي يعيش مستقيما.
قد تشوه صورته يوما، وقد تقال عنه أشياء لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وقد يصدق البعض ما يسمعون.
لكن السيرة الطويلة لا تهزمها جملة.
والأخلاق لا يمحوها ٱفتراء.
والحقيقة، مهما تأخرت، تجد طريقها.

لقد تعلمت من تجربتي الأخيرة أن الإنسان لا ينبغي أن يطارد كل إشاعة، ولا أن يدخل في معركة مع كل شخص قرر أن يتحدث عنه.
فمن عرفك حقا لن تغيره إشاعة.
ومن صدق إشاعة عنك دون أن يعرف الحقيقة، لن تنفعه ألف رواية منك.
أما من حاول أن يسيطر عليك، فلما عجز عن ذلك ذهب ليشوهك، فقد كشف عن نفسه أكثر مما كشف عنك.
لأن القوي في حجته لا يحتاج إلى ٱغتيال خصمه معنويا، والواثق من نفسه لا يخاف من ٱستقلال الآخرين، وصاحب السيرة الحقيقية لا يحتاج إلى ٱختلاق سيرة للآخرين.

وفي النهاية، قد يفشل الإنسان في إخضاعك، وقد يفشل في تغيير رأيك، وقد يفشل حتى في إسكاتك.
فيبقى أمامه سلاح واحد: «الكلمة».
لكن الكلمة قد تجرح، وقد تشوه، وقد تصنع إشاعة…
أما الحقيقة، فلا تقتل بالكلمات.
ولهذا أقول:
«حين يفشلون في السيطرة على عقلك… يحاولون السيطرة على صورتك في عيون الآخرين».

لكنهم ينسون دائما أن الحقيقة قد تتأخر أربعة أشهر، أو أربع سنوات، أو أكثر…
لكنها حين تأتي.. تأتي ومعها البرهان من عند الله سبحانه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.