بقلم أبو أمين “بيان مراكش ”
لم يكن عيد الأضحى المبارك يوماً مجرد مناسبة للاستهلاك أو موسماً للربح السريع، بل كان شعيرة دينية عظيمة تحمل في عمقها معاني التضحية والتقرب إلى الله والتكافل بين الناس. غير أن ما أصبح يعيشه المواطن المغربي في السنوات الأخيرة يدفع إلى التساؤل بمرارة: هل ما زلنا أمام شعيرة من شعائر الله، أم أمام “جوطية” كبيرة تحكمها المضاربات والسماسرة وقانون السوق الجشع؟
لقد تحولت مناسبة يفترض أن تُحيي قيم الرحمة والإحسان إلى موسم للقلق والخوف والاستغلال. فأسعار الأضاحي أصبحت ترتفع بشكل جنوني لا يخضع في كثير من الأحيان لأي منطق اقتصادي واضح، بينما يجد المواطن البسيط نفسه عاجزاً أمام موجة الغلاء والاحتكار، بين مطرقة الحاجة الاجتماعية وسندان القدرة الشرائية المنهكة.
وفي خضم هذا المشهد، برزت فئة “الفراقشية” والسماسرة كأحد أبرز الفاعلين في سوق الأضاحي، حتى أصبحوا يتحكمون في الأسعار ومسارات البيع والشراء، مستفيدين من غياب المراقبة وضعف التنظيم. فبدل أن يكون السوق فضاءً للتعامل الشريف والرزق الحلال، صار مرتعاً للمضاربة والاحتكار، بل وحتى للنصب والتحايل أحياناً، حيث تُخفى العيوب وتُرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه دون رقيب أو حسيب.
المؤلم في الأمر أن روح الشعيرة نفسها بدأت تضيع وسط هذا الضجيج التجاري. فالكثير من الناس لم يعودوا يشعرون بطمأنينة العيد وفرحته، بل أصبحوا يعيشون ضغطاً نفسياً واجتماعياً رهيباً، وكأن قيمة الإنسان باتت تقاس بقدرته على شراء الأضحية مهما كان الثمن. وهكذا تحولت مناسبة دينية سامية إلى امتحان اجتماعي قاسٍ يثقل كاهل الأسر الفقيرة والمتوسطة.
إن عيد الأضحى ليس سوقاً للفوضى ولا موسماً للاغتناء غير المشروع، بل هو عبادة قائمة على النية والتقوى قبل المظاهر والمباهاة. يقول الله تعالى:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي لهذه الشعيرة، عبر تنظيم الأسواق، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وحماية المواطن من جشع الوسطاء والسماسرة، مع نشر الوعي الديني والاجتماعي الذي يربط العيد بروحه الإيمانية لا بمظاهر الاستهلاك والتفاخر.
فما هكذا يكون عيد الأضحى، وما هكذا تُصان شعائر الله.
“فاعتبروا يا أولي الأبصار”.