لم يكن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يوم من الأيام مجرد تنظيم سياسي عادي ظهر ليقتسم المقاعد أو يفاوض حول الحقائب الوزارية، بل كان جزءا من الذاكرة العميقة للمغرب الحديث. كان حزبا خرج من قلب الحركة الوطنية، ومن جراح الصراع حول طبيعة الدولة بعد الاستقلال، ومن حلم بناء مغرب ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية وتصان فيه كرامة المواطن. لذلك فإن الحديث اليوم عن تراجع الاتحاد الاشتراكي لا يثير فقط نقاشا سياسيا عاديا، بل يوقظ قدرا كبيرا من الحسرة لدى أجيال كاملة كانت ترى في هذا الحزب ضمير المعارضة المغربية وصوت الفئات الشعبية والطبقة الوسطى والمثقفين والطلبة والنقابيين.
الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يسمى سابقا بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان مدرسة حقيقية في النضال السياسي. أسماء مثل المهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد، وعمر بنجلون، ومحمد اليازغي، وعبد الرحمن اليوسفي، لم تكن مجرد أسماء قيادية داخل حزب، بل كانت رموزا لمرحلة كاملة من الصراع السياسي والفكري في المغرب. وكان المناضل الاتحادي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات يدفع ثمنا باهظا لانتمائه السياسي؛ من اعتقالات، واختطافات، وتضييق، ونفي، ومحاكمات. ولم يكن الناس ينظرون إلى الحزب باعتباره مجرد أداة انتخابية، بل باعتباره تعبيرا عن مشروع مجتمعي كامل يقوم على الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية.
وحين اختطف المهدي بن بركة سنة 1965 في باريس، لم يكن الأمر مجرد تصفية لزعيم معارض، بل كان رسالة إلى كل مشروع سياسي يحاول أن يربط الديمقراطية بالتحرر الاجتماعي. وحين اغتيل عمر بنجلون سنة 1975، لم يكن المستهدف شخصا فقط، بل خطاب سياسي كامل كان يحاول بناء يسار مغربي قوي ومؤثر. ولذلك اكتسب الاتحاد الاشتراكي مع مرور السنوات شرعية نضالية وأخلاقية كبيرة جعلت حضوره يتجاوز صناديق الاقتراع إلى المجال الثقافي والنقابي والجامعي والحقوقي.
لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن الحزب الذي كان ينظر إليه باعتباره ضمير المعارضة، صار بالنسبة إلى كثير من المغاربة مجرد حزب يشبه باقي الأحزاب التي كان ينتقدها ذات يوم. وهنا يبدأ السؤال المؤلم، كيف انتقل الاتحاد الاشتراكي من موقع الحزب الذي يصنع المعنى السياسي إلى حزب يبحث فقط عن موقع داخل التوازنات؟ وكيف تحول من قوة اقتراح تاريخية إلى تنظيم مرتبك تتنازعه الحسابات الانتخابية والتحالفات الظرفية ومنطق الأعيان والنفوذ؟
يصعب الحديث عن هذا التحول دون التوقف عند محطة حكومة التناوب سنة 1998، وهي اللحظة التي يعتبرها كثيرون بداية الانكسار البطيء للحزب، حتى وإن قدمت آنذاك باعتبارها انتصارا تاريخيا للمعارضة الديمقراطية.
حين قبل عبد الرحمن اليوسفي قيادة حكومة التناوب، كان جزء واسع من المغاربة يشعر أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من المصالحة السياسية، وأن سنوات الصدام الحاد بين السلطة والمعارضة توشك على الانتهاء. بدا الأمر وكأن الاتحاد الاشتراكي نجح أخيرا في تحويل تضحياته الطويلة إلى مشاركة فعلية في تدبير الدولة.
غير أن تلك اللحظة التي حملت الكثير من الأمل حملت أيضا بذور التراجع. فالحزب دخل إلى السلطة عبر منطق “التوافق”، لا عبر انتقال ديمقراطي كامل. وكانت تلك نقطة جوهرية ستحدد مستقبله لاحقا. فقد اضطر الاتحاد الاشتراكي إلى تقديم تنازلات كبيرة باسم الاستقرار والإصلاح التدريجي، ومع مرور الوقت تحول من حزب يضغط من أجل توسيع المجال الديمقراطي إلى حزب يبرر حدود الممكن السياسي.
ولأن عبد الرحمن اليوسفي كان يمتلك رصيدا أخلاقيا هائلا، فقد ظل يحظى باحترام حتى من خصومه. لكن المؤسسة الحزبية نفسها بدأت منذ ذلك الوقت تفقد شيئا فشيئا روحها النضالية. وحين تم تعيين إدريس جطو سنة 2002 وزيرا أول رغم تصدر الاتحاد الاشتراكي للانتخابات، تلقى جزء مهم من قواعد الحزب صدمة حقيقية. كان ذلك بالنسبة لكثيرين إيذانا بنهاية وهم “الانتقال الديمقراطي” كما تصوره الاتحاد الاشتراكي. ومع ذلك اختار الحزب الاستمرار داخل منطق التوافق، وفضل البقاء داخل السلطة بدل العودة إلى المعارضة المبدئية التي صنعت تاريخه.
ومنذ تلك اللحظة بدأ التحول العميق داخل الحزب. لم يعد السؤال الأساسي عن المشروع المجتمعي الذي يحمله الحزب؟ بل صار السؤال الضمني يتمحور حول كيفية الحفاظ على موقعه داخل المشهد السياسي؟ ومع الوقت بدأت النخب الفكرية والمناضلة تتراجع لصالح وجوه انتخابية تملك القدرة على جلب الأصوات والتمويل والنفوذ المحلي. وهنا بالتحديد بدأت المسافة تتسع بين الاتحاد الاشتراكي كفكرة، والاتحاد الاشتراكي كتنظيم انتخابي.كانت قوة الحزب في الماضي تنبع من قدرته على إنتاج المعنى السياسي والفكري. كانت له صحافته المؤثرة، ونقاباته القوية، وحضوره داخل الجامعة والإدارة والثقافة. أما اليوم، فإن صورته في المخيال العام ارتبطت أكثر بالصراعات الداخلية والتحالفات الغامضة والتنافس حول المواقع. وفقد الحزب تدريجيا ذلك البعد الرمزي الذي كان يمنحه تفوقا أخلاقيا على خصومه.
والأكثر إيلاما أن الحزب الذي كان يرفع شعار الدفاع عن الطبقات الشعبية بدا في السنوات الأخيرة أقرب إلى منطق الأعيان وأصحاب النفوذ المالي. لم يعد الانتماء النضالي أو التاريخ السياسي معيارا حاسما في الصعود داخل التنظيم، بل صار المال والقدرة الانتخابية والعلاقات المحلية عوامل أكثر تأثيرا. وهذا التحول لم يكن خاصا بالاتحاد الاشتراكي وحده، بل أصاب جزءا كبيرا من الحياة الحزبية المغربية، لكن وقعه على الاتحاد كان أشد قسوة لأن الحزب كان يقدم نفسه دائما باعتباره استثناء أخلاقيا وسياسيا.
ولهذا يشعر كثير من المناضلين القدامى اليوم بمرارة حقيقية. ليس لأن الحزب خسر انتخابات أو تراجع عدد مقاعده، بل لأنهم يشعرون أن شيئا عميقا انكسر داخله. فقد تحول التنظيم الذي كان ينتج النخب الفكرية إلى حزب يكافح للحفاظ على حضوره الانتخابي، وتحولت لغة المشروع المجتمعي إلى لغة التدبير السياسي البارد. وحتى حين يتموقع الحزب في المعارضة، كما هو حاله اليوم، فإن جزءا كبيرا من الرأي العام لا يشعر بأنه يمارس معارضة تحمل نفسا فكريا مختلفا أو تقدم بديلا واضحا.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن جزءا من أزمة الاتحاد الاشتراكي لا يتعلق فقط بخياراته الذاتية، بل أيضا بتحولات المجتمع والسياسة في المغرب. فالأحزاب الإيديولوجية عموما تراجعت لصالح السياسة البراغماتية والشخصانية، والنقابات ضعفت، والجامعة فقدت دورها التاريخي في إنتاج النخب السياسية، كما أن منطق المال والانتخابات أصبح مهيمنا على المجال الحزبي كله. لكن هذا التفسير لا يعفي الاتحاد الاشتراكي من مسؤوليته، لأنه كان يفترض أن يقاوم هذا الانحدار لا أن يتكيف معه.
كان الناس يتوقعون أن يظل الاتحاد الاشتراكي صوتا أخلاقيا حتى وهو ضعيف انتخابيا. وكان يمكن للحزب أن يخسر المقاعد ويحافظ على صورته الرمزية، لكن ما حدث هو العكس تقريبا، إذ احتفظ بحضور انتخابي محدود، وخسر جزءا مهما من هيبته التاريخية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
وسؤالنا “هل باع الاتحاد الاشتراكي تاريخه؟” ليس سؤالا دعائيا أو شعبويا، بل هو تعبير عن خيبة أمل جماعية تجاه حزب كان يمثل بالنسبة إلى كثير من المغاربة، خصوصا أجيال العصر الذهبي للحزب، أملا في سياسة نظيفة ومؤطرة بالقيم. وربما يكون الجواب الأدق أن الحزب لم يبع تاريخه دفعة واحدة، بل تنازل عنه تدريجيا، خطوة بعد أخرى، تحت ضغط الواقعية السياسية ومنطق التوافق والرغبة في البقاء داخل المؤسسات.
لكن التاريخ لا يرحم الأحزاب التي تفقد معناها. فالحزب قد ينجو انتخابيا لبعض الوقت، وقد يحتفظ ببعض المقاعد والمواقع، لكنه حين يفقد روحه يصبح مجرد هيكل تنظيمي بلا تأثير حقيقي. وهذا ما يخشاه الغيورون على الاتحاد الاشتراكي اليوم، أن يتحول إلى ذكرى جميلة لحزب كبير كان يوما ما يمثل شيئا عظيما في الحياة السياسية المغربية.
وربما تكمن المأساة الأكبر في أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن مجرد حزب عادي يمكن تعويضه بسهولة، بل كان جزءا من التوازن السياسي والفكري للمغرب. وكان وجوده القوي يعني وجود يسار مؤثر، ونقاش عمومي حقيقي، وحياة سياسية أكثر حيوية. ولذلك فإن تراجعه لا يمثل خسارة لتنظيم فقط، بل خسارة لجزء من الذاكرة الديمقراطية المغربية نفسها.
فهل يستطيع الاتحاد الاشتراكي أن يستعيد نفسه؟ هل يستطيع أن يعود كما كان حزبا للفكرة لا للموقع، وللمشروع لا للتوازنات، وللنضال لا للحسابات؟ أم أن زمنه التاريخي انتهى بالفعل، ولم يبق منه سوى اسم ثقيل تحمله مؤسسة فقدت كثيرا من روحها الأولى؟
قد يعجبك ايضا