بقلم: أبو أمين ” بيان مراكش”
في مدينة مراكش، لا يُقاس رمضان بعدد الأيام فقط، بل يُقاس بعمق الذاكرة وحرارة الطقوس التي توارثتها الأجيال. بين أزقة المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية، ظل الشهر الفضيل مناسبة تتجدد فيها الروح الجماعية، وإن اختلفت المظاهر بين الأمس واليوم.
الاستعداد المبكر. يُغسل النحاس وتُنظف الأواني بمادة “الصقل”، وهي مادة بنية اللون تشبه الرمل، تعيد للآنية بريقها
ثم طقس شراء التوابل الضرورية لإعداد وجبات الفطور والعشاء والسحور من المتاجر الكبرى بالملاح أو الرحبة القديمة أو حتى من متاجر شعبية تقليدية.قيدبل آذان المغرب روائح الحساء التقليدي المعروف ب”الحريرة حامضة” تفوح من باب الحومة والدرب .
لم تكن الهواتف ولا الساعات الرقمية وسيلة الناس لمعرفة وقت السحور أو الإفطار؛ كان الأذان ومدفع رمضان هما المرجع. وفي الأزقة، يصدح صوت “الغياط” أو “النفّار”، وهو يجوب الحارات قبيل الفجر مردداً:
“مبارك هذا الشهر أمالين الدار، عطيونا حق النفار”.
كان النفّار صوت يوقظ القلوب قبل الأجساد.
كان حضوره جزءاً من هوية رمضان المراكشي، وعلامة على روح التضامن والتكافل بين السكان.
من أجمل الطقوس التي ميزت رمضان قديماً، احتفاء المراكشيين بالطفل أو الطفلة التي تقترب من سن وجوب الصيام أو عندما يصوم يومه الأول. يُقام له فطور فاخر على شرفه، ويُلبس اللباس التقليدي.احتفاء بالصغار… أول صيام لا يُنسى.
أما الفتاة، فتُعامل كالعروس، تُزين وتجلس في “المرتبة”، وتتعالى الزغاريد تشجيعاً لها على الصيام، في لحظة تربوية واجتماعية تزرع في نفوس الأطفال حب العبادة والاعتزاز بالانتماء.
للفتاة المخطوبة نصيب خاص من الاهتمام خلال رمضان؛ إذ يغمرها خطيبها في مناسبة النصف و27 من الشهر الكريم وعيد الفطر بهدايا متنوعة، من لباس ودجاج ووجبة “تريد”، فيما يتكفل أبوها بذلك خلال السنة الأولى من زواجها.
كما كان الأطفال يرددون ببراءة:
“بابا رمضان رمضاني عليك، كانبيع السروالي”
في طقس شعبي يعكس عفوية المجتمع وارتباطه بالفرح الجماعي.
تمتلئ المساجد العتيقة بالمصلين في صلاة التراويح، وعلى رأسها مسجد الكتبية ومسجد بن يوسف، حيث يمتزج الخشوع بعبق التاريخ.
وفي ساحة جامع الفنا، يستمر الحكواتيون في سرد حكاياتهم، لكن بروح رمضانية أكثر وقاراً، فيتحول الفضاء إلى مسرح مفتوح للذاكرة الشعبية.
كانت مائدة الإفطار بسيطة: حريرة، تمر، شباكية، خبز منزلي.
أطباق قليلة لكن بركة كبيرة.مائدة الأمس قلة في العدد، كثرة في البركة.
الجيران يتبادلون الصحون يومياً تقريباً، في مشهد يعكس تلاحم المجتمع. وكانت الحلويات تصنع في البيوت، فتتحول العملية إلى نشاط جماعي تتقاسمه النساء في جو من الألفة.
اليوم، تغيّرت بعض المظاهر. تنوع كبير في الأطباق، وأحياناً مبالغة تصل إلى حد الإسراف. الاعتماد أصبح أكبر على المخبزات الجاهزة، وتبادل الأطباق بين الجيران قلّ مقارنة بالماضي.
السهر الذي كان عائلياً بسيطاً، أصبح يشهد حركة تجارية قوية بعد التراويح، وتمتلئ المقاهي حتى ساعات متأخرة من الليل، فيما يحتل التلفاز والمسلسلات حيزاً مهماً من ليالي الشهر الفضيل.
لا يمكن إعادة الزمن، لكن يمكن إعادة الروح.
رمضان في مراكش ليس مجرد شهر في التقويم، بل ذاكرة مدينة… وهوية مجتمع… وحنين لا ينطفئ.