رأس السنة الامازیغیة: “ءیض ینایر” طقس ثقافي أمازیغي ونظام جماعي في تقاسم الطع

0 397

محمد بادرة

عرف الأمازیغ بحبھم وارتباطھم بالأرض وبالتقالید المتوارثة، ولذا جاءت أساطیرھم
وحكایاتھم مفسرة للظواھر الطبیعیة ومرتبطة بالخلق ونشأة الكائنات والكون من الأرض
والھواء والسماء والمطر والطیر والحیوان.. كما جاءت غنیة بالاستعارات والكنایات
والصور المجازیة مفسرة لرؤیتھم الكوسمولوجیة وتصوراتھم ونظرتھم للنظام الاجتماعي
والكوني (أسطورة حمو اونامیر نموذجا ). أما الاحتفال برأس السنة الأمازیغیة فھو نظام
زمني ورمز ثقافي یرمز لخصوبة الأرض في الثقافة الأمازیغیة وفیھ تقام حفلة أو طقوس
احتفالیة تقدم فیھ أكلات خاصة (تاكلا – بركوكس- سكسو …) ویتناولھ كل أفراد الجماعة
أو أفراد العائلة بشكل جماعي لتعزیز وتجدید التماسك الاجتماعي والخضوع للمیثاق
الاجتماعي وتكون أكلة “ءیض ینایر” من نتاج ما جادت بھ الأرض للإنسان شعیرا كان
الى العشیرة الى القبیلة تثبیتا بالانتماء الى ھویة انسانیة وثقافیة (الأمازیغ). أو ذرة وھي أكلة أو طعام طقوسي یحمل دلالة ورمزا ثقافیا یتقاسمھ كل الأفراد من العائلة
أورد امیل لا ووست Laoust -E المعروف ببحوثھ الاتنوغرافیة مجموعة من الروایات
الشفویة والأساطیر القدیمة التي تحیل الى طقوس الحیاة الزراعیة عند الأمازیغ وعند كل
الشعوب القدیمة معتبرا ایاھا طقوسا ورموزا ثقافیة دالة على خصوبة الأرض وتجالحیاة والبعث، وتقوم ھذه الطقوس على خلفیة میثولوجیة ورؤیة كونیة خاصة ونظام
علاقة الانسان بالأرض وبالطبیعة. وھذه الروایات الشفویة والأساطیر القدیمة ما ھي الا
رواسب من التصورات الأمازیغیة القدیمة عن الحیاة والموت والبعث والتجدد وبعضھا لا
یزال قائما ومستمرا یمكن أن یستنبط مما یقبع في سلوكیاتنا وطقوسنا وعاداتنا
واحتفالاتنا ویختبئ في لا وعینا الجماعي وحتى حین تنمحي أو تنسى فانھ یمكن أن
نتلمس بصماتھا في عوائدنا وتقالیدنا الاجتماعیة في الزواج وفي التربیة وفي الاحتفال
بالأعیاد أو برأس السنة الامازیغیة وفي الغناء والرقص كما یمكن رصد الكثیر من ھذه
التصورات القدیمة في اللغة والكتابة الأمازیغیتین.
وحتى أنھ اذا فقدت ھذه الطقوس الاحتفالیة الأمازیغیة الكثیر من عناصرھا أو تعرضت
للتحویر والتغییر لأسباب كثیرة فان طقوس الاحتفال والزواج ما تزال تقاوم الاندثار وھي
تتمیز بالتنوع والكثافة رغم بدایة انحسارھا في العصور الأخیرة ویصعب تفسیرھا
وفھمھا دون الاستناد الى المیثولوجیا لأن الطقوس الاجتماعیة في بعض الأحیان لیست
الا احیاء للمیثولوجیا واحتفالا بأحداثھ الأسطوریة والطقس الاجتماعي انما یعید تأكید
اطار الحركة كما یرى فن دیر لاي Lew Der Van. المیثولوجیا كما یرى كوسدورف Gusdorf بل ان الطقس الاجتماعي ھو المیثولوجیا في
ان الاحتفال برأس السنة الأمازیغیة ھو عادة مشھورة في كل بلدان شمال افریقیا ویحتفل
بھ كرمز ثقافي دال على الانتماء الى عالم ثقافي خاص والى ھویة انسانیة وتختلف
طقوس الاحتفال بین منطقة واخرى، ففي شمال المغرب یحتفل بھ تحت اسم (شومیخا)
وفي الجنوب باسم (ءوركیمن) وفي مناطق أخرى یعرف ب(الحكوزة) أو (حیدوزة) أو
(ءیض ینایر ) … لكن معظم ساكنة البوادي وبعض المدن المغربیة وفي منطقة سوس
خاصة یسمون لیلة رأس السنة الأمازیغیة التي یحتفل بھا لیلة 12 ینایر من كل عام باسم
(ءیض ینایر ) وتحتفل بھ ساكنة ھذه المناطق وفق طقوس متوارثة، ففي عدد من قرى
وبوادي سوس یقوم الأھل بتحضیر ما یسمى (ءوركیمن) وھو عبارة عن سبعة أنواع من
القطاني تطھى على موقد الحطب لمدة أربعة وعشرون ساعة ویتجنب الناس في ھذا
الیوم الاحتفالي القیام بأي عمل سوى جلب الماء والحطب لتحضیر أكلة رأس السنة (تاكلا
ن- ینایر) أو (بركوكس) أو (سكسو) لكن (تاكلا ینایر) ھي الأكلة المفضلة في ھذا الیوم
وھي عبارة عن طحین یخلط ویفتل بالماء ویمزج بزیت أركان أو العسل.
ومن التقالید القدیمة في بعض بوادي الجنوب أن تقوم الفتیات والنساء في الیوم الأول
من السنة الأمازیغیة بحمل قلیل من (بركوكس) أو (تاكلا) أو (سكسو) غیر مملح ثم
یحملنھ الى مكان معلوم خارج القریة وینصرفن دون أن یصدر منھن أي كلام أو حدیثویسمى ذلك الفعل (أصیفض) أي اعطاء كائن (الجن) نصیبھ من الطعام قبل أن یضاف لھ
الملح لیقدم للضیوف.
في الیوم الموالي تقوم النساء والفتیات بما یسمى (ءازكزیو ؤوسكاس) أي تحضیر أكلة
السنة حیث تجتمعن لوحدھن ویذھبن الى الحقول الزراعیة ویحملن على ضھورھن سلات
(ءازكیون) ثم یجمعن مختلف الأعشاب من (ءاكلاس) الذي ھو من ربیع الشعیر أو
(تیفراضین) -عسف النخیل- والمراد من ھذه العملیة ھو افتتاح العام الجدید بلون أخضر
لون الخصوبة بعد تجدد الطبیعة. وفي ختام نفس الیوم یقوم الناس الذین حضّروا
(ءوركیمن) بتوزیع ھذه الأكلة على الذین لم یتمكنوا من تحضیرھا.
ھذه الأكلات الموسمیة (تاكلا – ن- ینایر…) ھي رمز للطبخ الأمازیغي وھي رمز ثقافي
وتشكل أحد الانتاجات المطبخیة الأكثر تداولا وانتشارا في البیوت الأمازیغیة وھي منتوج
نباتي من زراعة الانسان أما تناولھ فیكون جماعیا وعن ذلك یقول أھل حاحا :
سكسو ءور ءیكا سكسو ءیغ فلاس ءور مون میدن
(الكسكس لیس بكسكس اذا لم یجتمع على أكلھ الناس)
والاجتماع حولھ لیس مقصودا منھ الأكل كفعل بیولوجي لإشباع الجوع وانما یجتمع حولھ
الناس تعبیرا عن تماسكھم وتضامنھم وتحالفھم تفادیا للصراعات.
وتفنن الكثیر من الأدباء والفقھاء في ذكر أنواع الأكل والطعام عند الأمازیغ وكان من
أبرز ھؤلاء العلامة السوسي محمد المختار السوسي الذي نظم قصیدة عن “العصیدة”
(تاكلا) التي اشتھرت أنھا طعام الفقراء وغذاء المتصوفة غیر أن المختار السوسي مدحھا
وأبرز مزایاھا وفوائدھا وأنھا تحضّر من أجود انواع الحبوب ذرة أو شعیرا ومما جاء في
القصیدة عن وصف (تاكلا – العصیدة ) للعلامة المختار السوسي:
لمن جفنة قد أقبلت تتألق == تلوح بلألاء العصیدة
یبرق
مسنمة حتى كأن سنامھا == شماریخ طود لم یكد
یتسلق
وقد فغمت منھا الخیاشیم نكھة == تطیب بھا كل النواحيلھا قمة في وسطھا حوض زبدة == كجابیة الشیخ العراقي
تفھق
أدام لنا الله العصیدة ما غدت == مصارین بطن الجائعین …….
تنقق
وعن فضیلة “تاكلا” كرمز للطبخ الأمازیغي وتناولھ مع الجماعة یعني انخراطھ في فعل
ثقافي، فالاجتماع على أكل “تاكلا”- العصیدة- لیس مقصودا منھ الأكل كفعل بیولوجي
لإشباع الجوع وانما في تقاسم الطعام دعما لتماسكھم وتحالفھم وتأسیسا مستمرا لنظام
(لا الأفراد ولا الأشخاص). الجماعة وقیمھا ولذا تعتبر “تاكلا” الطعام الطقوسي الذي تتقاسمھ الجماعات والعائلات
“تاكلا” أو “بركوكس” أو “سكسو” ھو الطعام الممیز للسكان الأمازیغ في شمال افریقیا
.. انھ الطعام القومي الأمازیغي منذ الاف السنین كما وصفھ ذ. محمد شفیق.. انھ رمز
لعالم الثقافة والجماعة البشریة ویؤسس لقیم التضامن والتعاون والتحالف وھو ما یجعل
منھ الطبق المفضل لذى الأمازیغ… فھو طعام الفقراء والأغنیاء والوجھاء وأكلة
الاحتفالات والضیوف والصداقات والعطایا والقرابین حتى صار رمزا للرخاء والرفاھیة
والخصوبة بالنظر الى كثرة حبوبھ ووفرتھا خصوصا في النوع المعروف منھ باسم
بركوكس ( كما جاء على لسان لاكوست).
“ءیض ینایر” ھو فعل ثقافي ومیثاق اجتماعي یتقاسم الناس فیھ الطعام تعبیرا عن
تماسكھم وتحالفھم وتثبیتا لھویتھم وانتمائھم لجماعة بشریة …ولیس مجرد احتفالات
فولكلوریة وموسمیة باردة.
ذ. محمد بادرة


 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.