م.س : بيان مراكش
لم يكن عبد الهادي بالخياط مجرد صوت مر في ذاكرة المغاربة، بل كان جزءا من وجدانهم الجماعي، ومن لحظات الفرح والحنين والأسى التي رافقت أجيالا كاملة، فمنذ ظهوره الفني، إرتبط إسمه بالزمن الجميل ، كان فيه الغناء تعبيرا صادقا عن العاطفة، لا مجرد منتج إستهلاكي عابر ، وكان فيه الصوت مرآة للروح قبل أن يكون أداة للشهرة.
شكل عبد الهادي بالخياط، بصوته القوي ونبرته الشجية، علامة فارقة في الأغنية المغربية، وراكم رصيدا فنيا جعل منه أحد الأصوات التي لا تخطئها الأذن ولا يبهت حضورها مع الزمن، أغانيه لم تكن فقط أعمالا فنية، بل تحولت إلى ذاكرة مشتركة، رافقت الأعراس والبيوت والمقاهي، وسكنت وجدان الناس ببساطتها وصدقها، في زمن كان فيه الفن يصنع على مهل، ويغنى بإحساس.
غير أن المسار الفني لعبد الهادي بالخياط لم يتوقف عند حدود الشهرة والنجاح، بل عرف منعطفا عميق الدلالة حين إختار الإعتزال، في قرار لم يكن سهلا ولا عابرا، بل حمل في طياته بعدا روحيا وأخلاقيا واضحا ،فقد شكل هذا الإعتزال لحظة تأمل ومراجعة، عبر من خلالها عن قناعة شخصية إختار أن يسلكها بعيدا عن الأضواء، في مسار توبة هادئة، لا ضجيج فيها ولا إدعاء.
وقد تابع المغاربة هذا التحول بنوع من الإحترام والتقدير، حتى وإن إختلفت زوايا النظر حوله، فقلة هم الفنانون الذين يملكون شجاعة التوقف عند ذروة العطاء، وإختيار الصمت بدل الإستمرار، إنطلاقا من قناعة داخلية صادقة، لقد قدم عبد الهادي بالخياط، من خلال هذا القرار، درسا إنسانيا عميقا مفاده أن الإنسان أكبر من مساره المهني، وأن البحث عن السكينة الروحية حق مشروع، مهما بلغت الأضواء.
ومع رحيله يستعيد المغاربة اليوم هذه المسيرة بكثير من الحنين والوفاء، مستحضرين فنانا أعطاهم من صوته وإحساسه، ثم إختار أن يختم حياته الفنية والإنسانية بما رآه أقرب إلى الله وراحة الضمير ،وهو ما يمنح مساره طابعا خاصا، يجمع بين الفن كذاكرة، والإعتزال كتجربة روحية، والموت كحقيقة جامعة.
رحم الله عبد الهادي بالخياط رحمة واسعة، وغفر له ونور الله قبره، وجزاه عن محبة المغاربة خير الجزاء ،سيظل صوته حاضرا في الذاكرة ، لا بوصفه فنان بل إنسانا عاش التحول بشجاعة، وترك أثرا لا يمحى في القلوب.