هل أصبح البودكاست عرسا لتوزيع النعوت ؟!

0 255

م.س : بيان مراكش

ليست الصحافة مجرد مهارة في الصياغة أو قدرة على الإثارة، بل هي، قبل ذلك إمتحان أخلاقي دائم… فالكلمة حين تكتب من موقع التأثير، لا تقاس فقط بذكائها أو حدتها، بل بما تحمله من عدل، وبما تتركه من أثر في الوعي الجماعي، لذلك ظل النقاش حول أخلاقيات مهنة الصحافة ملازما لكل حديث جاد ،باعتبارها سلطة معنوية لا تقل خطورة عن السلطة السياسية نفسها.

أصبح من الضروري التوقف عند الخرجة الأخيرة للصحفي توفيق بوعشرين ، ضمن إحدى حلقات البودكاست الذي يقدمه، والتي خصصها لمهاجمة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري عمدة مدينة مراكش ووزير الإسكان و أمينة حزب الأصالة والمعاصرة ،وهي خرجة تعيد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا ، أين تنتهي حدود النقد الصحفي المشروع، وأين يبدأ الإنزلاق إلى منطق الخصومة السياسية المباشرة؟

لا خلاف في أن من حق أي صحفي أن يحلل أداء الأحزاب السياسية وقادتها عبر بودكاست أو غيره ، وأن ينتقد إختياراتهم ، بل وأن يختلف معهم بحدة أحيانا ، غير أن هذا الحق يظل مؤطرا بقواعد مهنية وأخلاقية واضحة ، تقوم على إحترام الوقائع ، والإلتزام بلغة رصينة، والإبتعاد عن الشتم والنعوت القدحية، إحتراما للمهنة أولا … وللمتلقي ثانيا .

هذه الخرجة الأخيرة للسيد بوعشرين لم تلتزم ، للأسف بهذه القواعد ، فاللغة المستعملة من قبيل توصيف السيدة المنصوري بـ«النكافة»، ونعت حزب الأصالة والمعاصرة بـالحزب الهجين و الميت ، لا تنتمي إلى قاموس التحليل الصحفي، بقدر ما تحيل إلى خطاب خصم سياسي مباشر ، يستبدل الحجة بالتهكم، والقراءة النقدية بالتجريح.

والمشكل هنا لا يتعلق فقط بحدة اللغة، بل بطبيعتها ودلالاتها. فحين ، وصف إمرأة سياسية بتشبيه نمطي ذي حمولة إجتماعية، لا نكون أمام نقد للأداء أو مساءلة للسياسات، بل أمام إختزال رمزي يقصي المرأة من موقع الفاعل السياسي إلى موضوع للسخرية ،وهذا في جوهره، سلوك تمييزي مهما كانت النوايا أو الخلفيات.

وليس هذا الخطاب جديدا على بوعشرين في تعاطيه مع الأصالة والمعاصرة ، فمنذ سنوات وهو يكرر سردية واحدة حزب مات ولم يمت، حزب سينهار إنتخابيا ، حزب تخلى عنه مناضلوه… غير أن الوقائع في أكثر من محطة إنتخابية ومؤسساتية، كذبت هذه التوقعات، وأثبتت أن الأصالة والمعاصرة مهما إختلفنا معه، ظل فاعلا حاضرا في المشهد السياسي.

بل تجاوز الأمر أحيانا حدود النقد السياسي إلى تعميمات جهوية خطيرة ، حين جرى الحديث عن سيطرة منطقة بعينها على الحزب ، وربط هذا الحزب بأحداث إجتماعية معقدة، دون سند موضوعي متماسك ، وهي مقاربات لا تبسط الواقع، بل تسطحه، وتغذي الإنقسام بدل الفهم.

وفي الخرجة الأخيرة، حاول بوعشرين منح خطابه طابعا إستشرافيا ، عبر التنبؤ بترتيب إنتخابي يستبعد حزب الأصالة والمعاصرة من المراتب الأولى، مع إعتماد قراءة إنتقائية لحصيلة بعض وزرائه، و تبرز ما يخدم الخلاصة المسبقة، وتغفل ما عدا ذلك… وهذا الإنتقاء لا يعكس حرصا على تحليل متوازن، بقدر ما يؤكد أن الهدف لم يعد فهم المشهد السياسي، بل الاستمرار في تصفية حساب رمزي مع حزب بعينه.

و ظل بوعشرين أسير أطروحة مستهلكة، مفادها أن حزب الأصالة والمعاصرة أنشئ فقط لمحاربة الإسلاميين… وهي أطروحة مهما جرى تكرارها، لم تعد قادرة على تفسير مسار حزب خاض إستحقاقات إنتخابية متعددة، وإشتغل داخل المؤسسات، ونال ثقة شرائح واسعة من الناخبين في محطات جماعية وجهوية وبرلمانية ومهنية.

إن النقد الجاد لا يبنى على النعوت، ولا على السخرية، ولا على إعادة تدوير سرديات تجاوزها الزمن… لأن النقد الحقيقي يفترض الإعتراف بالوقائع، حتى حين لا تخدم الموقف الشخصي، وإحترام ذكاء المتلقي، والتمييز الواضح بين الرأي السياسي والتحليل الصحفي المسؤول.

والأهم من ذلك، أن الدفاع عن فاطمة الزهراء المنصوري في هذا السياق لا يعني الدفاع عن حصيلتها أو إختياراتها، بل هو دفاع عن مبدأ أعمق، حق المرأة في أن تناقش كفاعل سياسي كامل، لا كصورة نمطية ولا كموضوع للتهكم، والدفاع عن كرامة النساء في الفضاء العمومي، وعن حقهن في الإختلاف دون أن يدفعن ثمنا رمزيا مضاعفا .

إن النقد الصحفي الجاد، مهما بلغت حدته لا يبرر التهويل أو الإنتقاص من الأشخاص، ولا يحول المهن الشريفة إلى مادة للسخرية ،فالتسويق للإهانة هو إخلال وتشويه للنقاش العام لأنه يقاس بالحجة والوقائع والتحليل المتوازن، لا بالنعوت أو الصور الساخرة .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.