*نحو قيادةٍ واعية بشروط الحكم* *كيف يُبنى القرار الرشيد في ظلّ* *اللايقين 4/4*

0 517

 

بقلم: *الدكتور محمد محاسن*

*تلخيصا*

يختتم هذا المقال سلسلةً تناولت فيها إشكالية القيادة السياسية على ضوء التحيزات المعرفية، متجهًا نحو تركيبٍ مفاهيمي يحدّد شروط بناء حكمٍ أكثر اتزانًا. فبعد تفكيك وهم البصيرة وتحليل انكماش الإدراك وبيان أثر غياب الاختلاف في تشكيل القرار، أنتقل إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف يمكن للقيادة أن تُحسن بناء قرارها في سياق لا تكتمل فيه المعطيات، ولا تستقر فيه الدلالات؟

أنطلق هنا من فرضية مفادها أن الرشد في الحكم لا يقوم على تجاوز التحيزات، بل على الوعي بها وتنظيم أثرها وبناء مسار في اتخاذ القرار يسمح بتعدد زوايا النظر، دون أن يفقد القدرة على الحسم حيث يُبقي القرار قابلًا للمراجعة دون أن يُفرغه من معناه.

*الكلمات المفاتيح*

القيادة الواعية؛ الحكم السياسي؛ اللايقين؛ الإدراك؛ القرار؛ التباين؛ الرشد الاستراتيجي.

*ملاحظة تأطيرية*

يشكّل هذا المقال الحلقة الرابعة والأخيرة من سلسلة تبحث في القيادة السياسية في سياق التحيزات المعرفية، ويقدّم خلاصة تركيبية تُعنى بشروط بناء حكمٍ أكثر توازنًا.

1 *. حدود لا يمكن تجاوزها*

تكشف مراجعة مسار التحليل أن الحكم السياسي يظل محكومًا بحدود لا يمكن تجاوزها. فالإدراك لا يحيط بكل جوانب الواقع والمعطيات لا تُعطي صورتها مكتملة والقرار يُبنى في لحظة لم تنضج فيها كل عناصرها.

ولا يضعف هذا الوعي بالفعل السياسي، بل يضعه في موضعه الصحيح. إذ لا تُختبر القيادة في غياب الغموض، بل في القدرة على التعامل معه دون ادّعاء تجاوزه.

2 *. من التحكم في الواقع إلى تحسين شروط الحكم*

ارتبطت القيادة، في تصورها التقليدي، بالقدرة على التحكم في الوقائع: توقعها وتوجيهها وضبط مسارها. غير أن تعقيد البيئات السياسية المعاصرة يحدّ من هذا التصور. ومن هنا يتجه الاهتمام إلى مستوى آخر عدا التحكم في الواقع، بل تحسين شروط الحكم عليه.

فالقائد لا يملك دائمًا تغيير مجرى الأحداث، لكنه يملك إعادة النظر في الطريقة التي يفهم بها هذه الأحداث، وفي الأطر التي ينظم بها معطياتها.

وبذلك، يصبح الاشتغال على شروط الإدراك جزءًا لا ينفصل عن الفعل القيادي.

3 *. اتساع الرؤية عبر تعدد زوايا* *النظر*

أن الواقع لا يُدرك من زاوية واحدة، لأن كل موقع يقدّم قراءة محدودة بما يتيحه من معطيات وما يفرضه من قيود. ومن ثم، يتعمق الفهم حين تتحرك الرؤية بين مستويات متعددة: قراءة تنطلق من داخل الموقف وقراءة تستوعب منطق الأطراف الأخرى ونظرة تتخذ مسافة تسمح بإعادة تركيب الصورة.

ولا تكمن القيمة في جمع هذه القراءات، بل في إبقائها حاضرة داخل التفكير، بحيث لا يستقر الحكم على زاوية واحدة تُغلق غيرها.

4 *. الاختلاف بوصفه أداة ضبط لا* *مصدر إرباك*

أظهر التحليل أن غياب الاختلاف يضعف القرار أكثر مما يقوّيه. غير أن حضور الاختلاف لا يحقق غايته ما لم يُدرج ضمن مسار منظم. فالاختلاف، حين يُحسن توجيهه، يؤدي وظيفة دقيقة وهي اختبار القرار قبل أن يفرضه الواقع. أما حين يُترك دون إطار، فإنه يتحول إلى تشويش؛ وحين يُقمع، يفقد أثره. وبين هذين الحدين، تتحدد قدرة القيادة على توظيف التباين بوصفه أداة لضبط الحكم لا مصدرًا لتعطيله.

5 *. توازنٌ بين الإمكان والواقع* *والنقد*

يتطلب بناء القرار الرشيد تفاعلًا مستمرًا بين ثلاثة مستويات:

· استشراف ما يمكن أن يكون،
· تقدير ما يمكن تحقيقه،
· إخضاع ما يبدو مقبولًا للنقد.

كما أن اختلال هذا التفاعل يفضي إلى أحد ثلاثة مآلات:

· اندفاع لا يستند إلى تقدير كافٍ،
· جمود يكتفي بإعادة إنتاج القائم،
· أو تردد يعطّل الفعل.

أما التوازن، فيتحقق حين تبقى هذه المستويات في حالة تفاعل، لا هيمنة أحدها على الآخر.

6. *القرار في زمنه: بين الثبات* *وقابلية المراجعة*

لعل بعض القراءات تخطئ حين تُقيّم القرار السياسي بمعطيات لم تكن متاحة لحظة اتخاذه، فتسقط على الماضي وضوحًا لم يكن قائمًا.

فالقرار يُبنى دائمًا في سياق محدد، ضمن ما يتوفر من معلومات، وفي ضوء قراءة تتشكل في زمنها. ومن ثم، لا تُقاس قيمته بكمال نتائجه، بل بمدى تماسك الشروط التي صدر عنها.

فالقيادة المتوازنة لا تنشغل بندم لاحق ولا تتمسك بقرار تجاوزه الواقع، بل تمضي في مسار يجمع بين:

وضوح في التوجه واستعداد للمراجعة وقدرة على إدماج ما يستجد من معطيات. وبذلك، لا يظهر التعديل بوصفه تراجعًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار يتفاعل مع الواقع.

*عود على بدء*

يتبيّن من مجمل هذه السلسلة أن القيادة السياسية ليست فعل سيطرة بقدر ما هي ممارسة دقيقة للحكم في ظلّ اللايقين. فالإدراك يضيق والاختلاف قد يتراجع والقرار يُتخذ في سياق لا تكتمل فيه الصورة.

غير أن الوعي بهذه الحدود لا يضعف القيادة، بل يمنحها عمقها. إذ تتحول من ادعاء امتلاك الرؤية إلى اشتغال مستمر على شروطها.

فالقيادة، في معناها الأعمق، لا تقوم على بلوغ يقينٍ نهائي، بل على حسن بناء القرار ضمن ما يتاح من إدراك وعلى إبقائه منفتحًا على ما قد يكشفه الواقع لاحقًا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.