✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في بلد يرفع شعار العدالة الإجتماعية، يبدو أن الحسابات أحيانا تجرى بآلة حاسبة خاصة جدا!
آلة لا تفهم إلا قاعدة واحدة: «كلما ٱقتربت من مركز السلطة زادت الأصفار في راتبك، وكلما ٱقتربت من التضحية للوطن قلت الأرقام حتى تكاد تختفي».
هكذا تدار المفارقات في صمت، وهكذا يعاد ترتيب سلم الكرامة المالية في مغرب اليوم، حيث توزع الزيادات بسخاء في الأعلى، بينما توزع نصائح الصبر والرضا في الأسفل.
فالقضاة، وهم ركن أساسي في دولة القانون، حظوا بزيادة في حدود ثلاثة آلاف درهم(3000درهم).
زيادة لا شك أن لها مبرراتها المهنية في تحسين أوضاع القضاة وتعزيز ٱستقلال القضاء. غير أن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن هذا الرقم نفسه يعادل أضعاف بعض أحكام النفقة التي تصدر داخل قاعات المحاكم، وكأن العدالة نفسها تطالب أحيانا بالصبر الذي لا تطالب به رواتبها.
أما القياد، فقد نالوا نصيبا أوفر من الكرم المالي بزيادة قيل إنها بلغت سبعة آلاف درهم دفعة واحدة(7000درهم).
رقم محترم بكل المقاييس، حتى إن كثيرا من الشباب العاطلين قد يعتبرونه راتبا كاملا لا مجرد زيادة.
لكن، يبدو أن إدارة الشأن المحلي ومراقبة الأسواق ومتابعة شؤون الإدارة الترابية تتطلب في نظر أصحاب القرار، جرعة إضافية من “التحفيز المالي” كي تستقيم الأمور.
أما في الجهة الأخرى من الصورة، حيث لا كاميرات ولا بلاغات ٱحتفالية، تعيش فئة أخرى من أبناء هذا الوطن على أرقام تبدو أقرب إلى المزاح الثقيل منها إلى السياسات الإجتماعية.
هناك أرملة الشهيد التي فقدت زوجها وهو يؤدي واجبه في خدمة البلاد، فتجد نفسها أمام معاش هزيل بالكاد يكفي لسد رمق يوم أو يومين.
مبلغ قد لا يغطي حتى فاتورة بسيطة من فواتير الحياة اليومية، لكنه في لغة الإدارة يسمى (دعما اجتماعيا!).
وهناك أيضا المتقاعد العسكري، الذي قضى شبابه بين الحدود والرمال والبرد والحر، يراقب الأفق كي ينام الآخرون في أمان.. وعندما يطوي سنوات الخدمة ويعود إلى الحياة المدنية، يكتشف أن معاشه بالكاد يكفي لمصاريف أسبوع في زمن ترتفع فيه الأسعار بسرعة الضوء.
ولا تقف المأساة عند هذا الحد، فثمة فئة أخرى قلّما يلتفت إليها أحد.. موظفون نزلاء في المكاتب، أفنوا أعمارهم بين الملفات المتراكمة والأختام الإدارية الثقيلة، يوقعون الأوراق ويستهلكون صحتهم شيئا فشيئا تحت ضغط العمل والروتين القاتل… سنوات طويلة من الخدمة تنتهي غالبا بمعاش هزيل، لا يكاد يكفي حتى لشراء الأدوية التي يحتاجونها لعلاج أمراض ٱكتسبوها أصلا من تلك المكاتب التي قضوا فيها نصف حياتهم. كأن الإدارة لا تمنحهم في النهاية سوى (تذكار صحي) من أمراض الضغط والسكري وآلام الظهر.
المفارقة هنا ليست في تحسين أجور المسؤولين، فذلك حق مشروع إذا كان الهدف هو الرفع من جودة الإدارة والخدمات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
– كيف يصبح الكرم سخيا إلى هذا الحد مع السلطة، بينما يتحول إلى فتات عندما يتعلق الأمر بمن ضحوا فعلا من أجل الوطن أو خدموا الإدارة بصمت طوال عقود؟
إن العدالة الإجتماعية لا تقاس بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الرسمية، بل بالأرقام البسيطة التي تصل إلى جيوب الناس. والأرقام، حين تقارن ببعضها، قد تتحول أحيانا إلى مرآة قاسية تعكس ٱختلالات عميقة في ترتيب الأولويات.
في النهاية، يبدو أن ميزان الزيادات في هذا البلد يشبه ميزانا قديما ٱختلت كفتاه:
كفة ترتفع كلما ٱقتربت من مراكز القرار، وأخرى تنخفض كلما ٱقتربت من قصص التضحية والصبر.
وما بين الكفتين يقف المواطن المغربي حائرا، يتساءل بصمت:
– هل أصبح الوفاء للوطن أقل قيمة من القرب من السلطة؟