م.س: بيان مراكش
على إيقاع شبه صامت، لكنه مثقل بالدلالات، عادت الحدود الشرقية للمملكة المغربية الشريفة لتتصدر مشهد التوتر الإقليمي، عقب تحركات عسكرية جزائرية قرب واحة “إيش” بإقليم فكيك ، تحركات لا يمكن فصلها عن سياق أعمق، يتجاوز الحسابات الأمنية الظرفية ، ليكشف عن منطق سياسي متاكل، إعتاد الهروب إلى الخارج كلما ضاقت به أزماته في الداخل.
فمنذ عقود ، بنى النظام الجزائري شرعيته على فكرة “العدو الخارجي” ، لا بإعتبارها ضرورة جيوسياسية ، بل كآلية دائمة لتخدير الوعي الجماعي للشعب ، وصرف الأنظار عن أعطاب بنيوية لم ينجح في معالجتها إقتصاد ريعي هش ، فساد مستشر ، مؤسسات شكلية ، وإنسداد سياسي مزمن … لتصبح الحدود مجرد مسرح سنمائي ، ويغدو التوتر أداة من أدوات الإلهاء الجماعي.
فالتحركات الأخيرة قرب فكيك لا تحمل في جوهرها أي أفق إستراتيجي حقيقي، بقدر ما تعكس حاجة داخلية ملحة لإنتاج “حدث سيادي جبصي ” يستثمر إعلاميا… فحين يعجز النظام عن تقديم إجابات عن تراجع القدرة الشرائية، وإنسداد الأفق أمام الشباب ، وتفشي “المعريفة والوساطة” كقاعدة غير مكتوبة لتدبير الشأن العام ، يلجأ إلى إفتعال معارك رمزية، يقدم فيها الفشل على أنه صمود، والعزلة الدبلوماسية على أنها إستقلالية قرار.
المفارقة أن هذا الخطاب، الذي يسوق بدولة الجزائر داخليا بكثافة ، يتزامن مع تأكل واضح لموقع الجزائر إقليميا ودوليا .
علاقات متوترة مع الجوار، حضور باهت في القضايا الكبرى، وعجز عن تحويل الثروات الطبيعية إلى نفوذ سياسي أو تنموي حقيقي، ومع ذلك يواصل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي تسويق إنتصارات وهمية في عملية تضليل ممنهجة ، تختزل فيها الوطنية في العداء ، والسيادة في الصراخ ، والكرامة في إنكار الواقع.
الأخطر في هذه السياسة ليس فقط كلفتها الدبلوماسية، بل أثرها العميق على الوعي الجماعي ، إذ يتم تطبيع الرداءة وتقديس الجمود، وتحويل الفساد إلى قدر ، ما دام يغلف بشعارات كبرى … وهنا لا يعود المواطن الجزائري شريكا في القرار ، بل مجرد متلق لخطاب تعبوي ديال حكرونا المغاربة ، و يطالب بالتصفيق بدل المساءلة ، وبالإصطفاف بدل التفكير.
ومع ذلك فإن إختزال الجزائر في نظامها سيكون ظلما مضاعفا ، فالشعب الجزائري أكبر من هذه السياسات ، وأعمق من هذا الخطاب ، غير أن الأنظمة التي تخشى شعوبها ، لا تجد أمامها سوى خيار واحد ، تخويف الداخل، وإستعداء الخارج ، وسرقة البترول وتأجيل الإنفجار إلى حين .
إن ما يحدث على الحدود ليس سوى عرض من أعراض أزمة أعمق ، أزمة نظام لم يعد يملك مشروعا جامعا، فاستعاض عنه بإدارة الخوف وتدوير الوهم أمام التاريخ ، فعادته ألا يرحم من يعتقد أن الجغرافيا يمكن أن تستعمل إلى الأبد كقناع للفشل .
والحمد لله وحده يظل المغرب ثابتا في إختياراته ، لا لأنه بلا أخطاء ، بل لأنه يجعل من الخوف من الله ميزانا في قراراته، ومن الحكمة بوصلة في سياسته، ومن التراكم التاريخي سندا لا عبئا ، كبير بملكه الذي وحد ولم يفرق، وبشعبه الذي صبر فبنى، وبنهج يفضل الإصلاح على الصدام، والعقل على الغضب ، والتاريخ بيننا، شاهد عدل لا يجامل أحدا يسجل من إختار البناء في صمت، ومن راهن على الضجيج، فالحمد لله وحده ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله إنقطع وإنفصل .