من قصص القاص عبد اللطيف النيلة.

0 664

حامل مفاتيح الأميرة
“””””””””””””””””””””””””””””

           كانت الأميرة شيماء شغوفة بالحكايات العجيبة التي تقصها عليها جدتها في ليالي الشتاء، وكانت غرفة جدتها حافلة بتحف بديعة تخلب عقلها، وكانت الجدة تنسج خيوط حكاياتها حول هذه التحف. تشير الجدة إلى تحفة معلقة على الحائط، أو موضوعة على رف من الرفوف، وتقول: أرأيت يا حفيدتي ذلك الشيء الذي ينظر إليك من هناك؟ إنه يهمس إليك أن تصغي إليه بعمق. ثم تأخذ الجدة في رواية حكاية ذلك الشيء الذي قد يكون خنجرا أو قلادة أو مصباحا أو بساطا أو...

التمست شيماء من جدتها، أكثر من مرة، أن تهبها إحدى تحفها المثيرة، غير أن الجدة كانت تقول لها: مهلا يا حفيدتي العزيزة! كل أشيائي النفيسة ستؤول إليك، عندما أغادر هذا العالم.
وذات ليلة نفد صبر شيماء، فلم تدع جدتها تأوي إلى سريرها قبل أن تنتزع منها تحفة باهرة: قلم بجسم رشيق موشى بالزخارف، ذو حبر أسود وغشاء ذهبي يلتمع تحت ضوء الفوانيس.
تعلقت الأميرة شيماء بالقلم الذهبي تعلقا شديدا، إلى حد أنها فضلته على سائر أقلامها، ولم تعد ترضى أن تخط كلمة واحدة بقلم سواه. لكن ما حدث، في ليلة أحد، جعل شيماء تبرأ من عشقها المفرط لذلك القلم، وإن كان انبهارها بتحف جدتها قد كبر ومازجه شعور بالتهيب والحذر.
دخلت شيماء إلى غرفتها، ليلتئذ، فاسترعى انتباهها مشهد غريب. كان القلم الذهبي يقفز بجسمه الرشيق فوق المكتب، ويصرخ قائلا: ألا تعرفون من أنا؟ سأريكم من أكون أيها التافهون..
جمدت الدهشة شيماء، غير أنها لم تلبث أن تمالكت نفسها، ربما بحكم اعتيادها على عجائب حكايات الجدة، وانحنت على المكتب ترقب ما يحدث. رأت القلم يدق أرض المكتب بقدميه.. أجل كان يملك قدمين صغيرتين كأقدام الأقزام.. ورأته يلوح بيديه متوعدا.. أجل كانت له يدان نحيلتان كأيدي الأقزام، وقد كور قبضتيهما وراح يسدد لكمات عنيفة إلى الهواء ويصرخ. كان يرسل تهديداته، في الواقع، إلى الأدوات المدرسية التي تحلقت حوله: الدفتر والمبراة والممحاة والمسطرة.
عندئذ صاحت شيماء: عجبا! ما الذي يجري هنا؟ فصوبوا جميعا أبصارهم إلى أعلى، وقد لاذ القلم بالصمت، وطفقوا يحدقون في وجه شيماء لحظة قبل أن ترتفع أصواتهم لتشرح ما يحدث. لم تفهم شيماء شيئا بسبب اختلاط الأصوات، إلا أنها تمكنت من تجميع خيوط الحدث حين أعادت الاستماع إلى القلم والدفتر:
كانت شيماء، بعد العصر، قد تركت أدواتها المدرسية فوق المكتب، فانتهز القلم الذهبي غيابها لتنفيذ فكرة خطرت بباله. استخرج من أحد أدراج المكتب دفترا بنفسجي الغلاف، وتصفحه برهة، ثم شرع يرسم دوائر مضطربة فوق إحدى صفحاته الفارغة. أحس الدفتر بحركة القلم، فصحا من غفوته منزعجا، والتمس من القلم أن يكف عن إزعاجه. لم يعبأ القلم بطلب الدفتر، واستمر في تسويد الصفحة البيضاء. فانتفض الدفتر صائحا:

  • اغرب عن وجهي أيها المشاكس!
    قهقه القلم باستخفاف، وقال بنبرة التحدي:
  • إن لم تخرس هاجمتُ صفحتك بوخزاتي اللاذعة. لا يخفى عنك أن رأسي مدبب مثل رأس الإبرة!
    نظر إليه الدفتر مترددا، فأضاف القلم غارزا رأسه في الصفحة:
  • هل تجرب؟
    أجاب الدفتر وقد أحس بالألم:
  • لا.. لا، ارسم كما تشاء!
    عندئذ انبرت المسطرة للقلم قائلة:
  • أيها النحيف احترم نفسك. كيف تتجبر على من هو أضعف منك؟
    سلط القلم على المسطرة نظرة شملتها من رأسها إلى قدميها، قبل أن يقول:
  • هلا حكمت بيننا يا آنستي الفهامة! لأي شيء يصلح الدفتر؟ ألم يصنع من أجل الكتابة والرسم؟
  • بلى. لكن هل أنت مؤهل للقيام بذلك دون مساعدة الأميرة شيماء؟
    أشار القلم إلى الدوائر المضطربة التي رسم على صفحة الدفتر، وقال:
  • انظري ماذا أبدعت! هل هناك من هو أكثر موهبة مني؟ من غيري يستطيع أن يرسم ويكتب؟
    لم تحر المسطرة جوابا، فلبثت صامتة تحدق في القلم الذي واصل، بصوت متهكم:
  • لا أظنك تدعين القدرة على الكتابة والرسم، وأنت مجرد تابع لي! أقصى ما يمكنك القيام به هو أن تستلقي فوق الصفحة، أفقيا أو عموديا، بينما أخط أنا سطرا على طولك!
  • يا لك من مغرور!
  • إنك عاجزة تماما مثل تلك التي لا تجيد سوى المحو.. أقصد الممحاة. ومثل تلك التي تحلق لي رأسي..
    فقاطعته المبراة غاضبة:
  • ويحك يا هذا! ألجم لسانك، فقد تجاوزت حدود الأدب!
    وأضافت الممحاة بدورها:
  • هل نسيت أيها الجاهل أن أختنا المسطرة هي التي تسدد خطاك وتقوم اعوجاجك؟ لولاها لما كنت قادرا على تسطير خط واحد مستقيم. وهل نسيت أن أختنا المبراة هي التي تجدد طاقتك؟ أليست هي التي تبري رأسك المستدق الطرف، كلما انحسر بروزه، أو صار ثخينا، أو انكسر؟ إنها لا تحلق رأسك لتبدو أنيقا وسيما، وإنما لتكون نافعا مفيدا.
    وتدخلت المبراة مرة أخرى، لتقول:
  • ومن تراه يكنس هفواتك، وينظف الصفحة من أخطائك، سوى أختنا الممحاة؟ هل بإمكانك تقديم عمل جيد دون أن نمد لك يد المساعدة؟ وفضلا عن ذلك، قل لنا من أذن لك بالرسم فوق الدفتر؟
    فانفجر القلم الذهبي غاضبا:
  • من أذن لي؟ ألا تعلمون أني حر أفعل ما أشاء؟
    رد عليه الدفتر:
  • هل الحرية تعني أن تقلق راحة غيرك، وأن تسيء عليه أدبك؟ يا أخي افعل بنفسك ما تشاء، لكن لا تمس شعرة من رأس سواك.
    ففقد القلم الذهبي زمام أعصابه، وأخذ يشتم ويلعن، مهددا الجميع بقبضة يده. وعلى هذه الصورة رأته الأميرة شيماء، لحظة دلفت إلى الغرفة.
    والآن ما العمل؟
    كانت الأدوات المدرسية، لاسيما الدفتر، تعبر عن شجبها لسلوك القلم الذهبي، وتطالب بالاقتصاص منه. وقد كادت شيماء أن تصالح بين المتخاصمين، لولا أنها اكتشفت أن القلم قد خربش ذلك الدفتر الأثير لديها لسببين: أولهما أنه كان هدية أبيها إليها في عيد ميلادها الخامس عشر، وثانيهما أنه كان الكناش الذي تدون فيه حكايات جدتها العجيبة. وعلاوة على ذلك، فقد بدا لها القلم مغرورا متعجرفا، يحسب أن غشاءه الذهبي يرفعه فوق الآخرين.
    احتارت الأميرة شيماء في نوع العقاب الكفيل بردع المغرور المتعجرف، فلجأت إلى جدتها التي أنضجت السنون حكمتها.
    لم تبد الجدة أي استغراب، حين علمت بما حدث، وإنما وجهت نظرة شزراء إلى القلم الذهبي، وقالت له:
  • سألقنك درسا لن تنساه؟
    ثم أمرت أحد خدم القصر أن يأتيها فورا بمثقاب، فيما كانت شيماء تتساءل في سرها عن نوع العقاب الذي ستنزله الجدة بالقلم الذهبي. ولم تمض إلا لحظات حتى بدأت أغرب محاكمة شهدتها شيماء في حياتها. استمعت الجدة إلى شهادة كل من الدفتر والمسطرة والمبراة والممحاة، ولم تحرم القلم من حق الدفاع عن نفسه، إلا أنه سخر من الاتهام الموجه إليه، وتمادى في التباهي بحسبه ونسبه.
    ولما اقترب الخادم من القلم الذهبي حاملا بيده مثقابا، لاح الذعر على وجه القلم، وهم بالفرار لولا أن أمسكت به الجدة، ثم أمرت الخادم أن يحدث في جسمه ثقبا، مشيرة إلى الكتفين. ورغم مقاومة القلم، جرى ثقب جسمه من الكتف إلى الكتف، وقالت الجدة لحفيدتها:
  • هاتي مفاتيحك يا عزيزتي!
    استطاعت شيماء أن تحدس عقاب الجدة، حين رأتها تدخل حلقة المفاتيح في ذلك الثقب. وبان لها الأمر بجلاء، عندما قالت الجدة مخاطبة القلم بلهجة صارمة:
  • من الآن فصاعدا ستكون حامل مفاتيح الأميرة، وأي إخلال بالواجب سيعرضك لعقاب شديد.
    ومنذ تلك اللحظة صار القلم الذهبي يسير خلف الأميرة والمفاتيح ترن كما لو كانت موسيقى خطو شيماء.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.