✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في السياسة، قد تلمع الصور وترصع الخطب، لكن الوقائع حين تتكلم، تسقط الزينة وتعري الحقيقة.
هكذا وجدت مدينة مراكش نفسها فجأة في قلب عاصفة أخلاقية وسياسية، بعدما تحول خطاب النزاهة إلى مادة للسخرية الثقيلة، إثر توقيف نائب لرئيس مقاطعة المنارة متلبسا بتلقي رشوة، في مشهد يجسد التناقض الصارخ بين الشعار والممارسة.
القضية لا تتعلق بمبلغ مالي فقط، بل بمنطق كامل يدار به الشأن المحلي من (خدمة عمومية) إلى (سوق مظلم)، ومن (رخصة بناء) إلى (ورقة ٱبتزاز).
كمين محكم، أرقام تسلسلية موثقة، وتلبس لا يقبل التأويل… تفاصيل تجعل من الواقعة نصا سياسيا فاضحا، لا يحتاج إلى حبر إضافي لقراءته.
الأدهى أن الواقعة تضرب في صميم الخطاب الرسمي لحزب «حزب الأصالة والمعاصرة»، الذي طالما رفع راية التخليق ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة!
شعارات صدحت بها الأمينة العامة للحزب، “فاطمة الزهراء المنصوري”، في المنصات والندوات، حتى خيل للبعض أن الحزب بات مرادفا للطهارة السياسية.
غير أن الواقع، كعادته، لا يعترف بالبلاغة ولا يوقع على البيانات.
– فكيف يستقيم خطاب أخلاقي صارم مع ممارسات تضع أصحابها في مواجهة مباشرة مع القانون؟
– وكيف يصدق المواطن أن التغيير يدار من المكاتب، بينما تدار الصفقات في الزوايا المعتمة؟
إن التنافر بين القول والفعل لم يعد مجرد زلة فردية، بل أصبح مرآة لخلل أعمق في تدبير الثقة، وفي آليات الإنتقاء والمراقبة داخل التنظيمات الحزبية.
ٱجتماعيا، تفاقم هذه القضايا شعور الإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين، خصوصا الشباب، الذين يرون في السياسة بابا موصدا إلا لمن يملك مفاتيح (الترضيات) و(الإكراميات).
سياسيا، تمنح مثل هذه الفضائح ذخيرة مجانية لخطاب العزوف والعدمية، وتضعف ما تبقى من رصيد الثقة في المؤسسات المنتخبة.
أما الحزب المعني، فهو اليوم أمام ٱختبار حقيقي، لا تجدي فيه بيانات التبرؤ ولا لغة الاستثناء.
فالمطلوب ليس تسويق المسافة عن الفعل، بل مراجعة عميقة لخطاب طالما صدع الرؤوس، ولم يصمد أمام أول ٱمتحان ميداني.
فإما أن تتحول الشعارات إلى قواعد ملزمة، أو تبقى مجرد لافتات ترفع في الحملات وتطوى عند أول صفقة.
في النهاية، ليست مراكش هي التي أُحرجت، بل خطاب سياسي كامل وضع عاريا أمام الرأي العام، وحين تصبح (الفضيلة) مجرد عنوان، و(النزاهة) مجرد هاشتاغ، فإن الكمين لا ينصب للمرتشين فقط، بل للحقيقة أيضا… والحقيقة هذه المرة، خرجت بلا رتوش.