قررت رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش، بتاريخ 23 يونيو 2025، إلغاء رخصة بناء كانت قد مُنحت قبل أربعة أشهر فقط، وتحديداً في 19 فبراير 2025، لفائدة أحد المشاريع السكنية الكبرى، بعدما تبيّن أن العقار المعني يخضع لمقرر سابق صادر عن المجلس خلال دورة أكتوبر 2024، يقضي بنزع ملكيته لفائدة مشروع تهيئة ضفاف واد إسيل.
قرار الإلغاء استند إلى تعارض صريح بين الرخصة والوضعية القانونية للأرض، باعتبارها مبرمجة لنزع الملكية لفائدة مشروع ذي نفع عام، ما يجعل الترخيص بالبناء فوقها خرقاً واضحاً للقانون وللمقررات التنظيمية للجماعة.

غير أن خطورة هذا الملف لا تتوقف عند هذا الحد، إذ إن الرخصة الملغاة جاءت رغم مراسلات وتحذيرات إدارية امتدت من سنة 2022 إلى سنة 2025، وُجهت خلالها إشعارات رسمية إلى وزارة الداخلية بخصوص اختلالات خطيرة، من بينها عدم احترام ارتفاقات واد إسيل، وضوابط حماية أسوار المدينة العتيقة المصنفة تراثاً عالمياً، إضافة إلى خرق ارتفاقات الطرق العمومية المؤدية إلى الأحياء المجاورة، فضلاً عن تجاهل مقرر نزع الملكية الصادر عن المجلس الجماعي نفسه.
وأمام هذا الوضع، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: كيف مُنحت هذه الرخصة أصلاً، رغم كل هذه القيود القانونية والعمرانية الواضحة؟
الأخطر من ذلك أن صاحب المشروع لجأ إلى القضاء الإداري، الذي أصدر حكماً ابتدائياً لفائدته بإلغاء قرار رئيسة المجلس الجماعي، في انتظار ما ستسفر عنه باقي درجات التقاضي، في وقت أثار فيه عدم لجوء الجماعة إلى الاستئناف موجة من التساؤلات حول ما إذا كانت الرخصة قد تعود إلى الحياة من جديد، بما يحمله ذلك من تبعات مالية وقانونية جسيمة على ميزانية الجماعة.

هذا الملف لم يعد معزولاً، بل تزامن مع معطيات مثيرة طُرحت خلال دورة 6 يناير 2026 لمجلس مقاطعة النخيل، حين دق أحد المستشارين ناقوس الخطر بخصوص ما وصفه بـ“الانفلات الخطير” في منح رخص البناء للمشاريع الكبرى داخل تراب المقاطعة، في تجاوز صارخ للتنطيق العمراني وضوابط التهيئة، وتحت ذريعة تشجيع الاستثمار، رغم أن وزارة الداخلية سبق أن أوقفت العمل بالرخص الاستثنائية لما تسببه من فوضى وتغول على القانون.
جريدة بيان مراكش كانت من بين الأصوات القليلة التي نبهت، في مناسبات متعددة، إلى خطورة هذا المسار، لا من باب الخصومة، بل تفادياً لتوريط الجماعة في نزاعات قضائية مكلفة، وصوناً لمالية المجلس وسمعته المؤسساتية. غير أن كل هذه التنبيهات وُوجهت بالصمت والتجاهل، سواء من الجهات المسؤولة عن تدبير قطاع التعمير، أو من طرف ولاية جهة مراكش، التي ظلّت، في شخص السيد الوالي، تراقب ما يجري دون تدخل حاسم، وكأنها تنتظر ما ستؤول إليه الأوضاع بدل تطبيق القانون في حينه.

اليوم، وبعد أن دخل الملف دهاليز القضاء، وبدأت شبح التعويضات يلوح في الأفق، يطرح الرأي العام المحلي أسئلة محرجة:
من يتحمل مسؤولية منح هذه الرخص التي تتعارض مع وثائق التعمير ومقررات المجلس؟
ما هي المعايير التي تعتمد في الترخيص للمشاريع الكبرى؟
ولماذا لم يتم تفعيل آليات المراقبة والزجر في وقتها قبل أن تتحول الخروقات إلى ألغام قانونية تهدد مالية الجماعة؟
إن قضية واد إسيل لم تعد مجرد رخصة ألغيت أو مشروع متوقف، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى جدية مؤسسات الحكامة المحلية في احترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية مراكش من العبث العمراني الذي يدفع ثمنه، في النهاية، المواطن وميزانية المدينة.