م.س : بيان مراكش
مع إقتراب شهر رمضان المبارك ، تعود إلى الواجهة أسئلة مقلقة حول وضعية الأسواق ومدى نجاعة آليات المراقبة في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان سلامة وجودة المواد الغذائية، في سياق يتسم بإرتفاع الطلب وتزايد المخاوف المرتبطة بالغلاء، والمضاربة والتلاعب بالأسعار، بل وحتى بترويج منتجات منتهية الصلاحية أو غير مطابقة لمعايير السلامة الصحية.
شهر رمضان بإعتباره شهرا ذا خصوصية إستهلاكية وإجتماعية، يكشف بشكل أوضح عن إختلالات بنيوية في منظومة السوق من طرف بعض التجار ، حيث تتحول بعض المواد الأساسية إلى موضوع مضاربة، مستغلة الضغط المتزايد على الطلب، وغياب الضبط الفعلي في بعض حلقات التوزيع… وغالبا ما يجد المستهلك نفسه أمام إرتفاعات غير مبررة في الأسعار ، لا تعكس كلفة الإنتاج أو النقل، بقدر ما تعكس سلوكيات تجارية غير مسؤولة ، تستثمر في هشاشة القدرة الشرائية وفي منطق الحاجة.
ورغم توفر الدولة على ترسانة قانونية تؤطر مراقبة الأسعار ومحاربة الغش وحماية المستهلك، فإن الإشكال يظل مطروحا على مستوى التفعيل الميداني ، فحملات المراقبة، في كثير من الأحيان، تتخذ طابعا موسميا وظرفيا ، يرتبط بقرب شهر رمضان أو بضغط الرأي العام ، بدل أن تكون سياسة دائمة قائمة على الإستباق والردع ، كما أن تعدد المتدخلين، وضعف التنسيق بينهم ، ونقص الموارد البشرية واللوجستية، يحد من فعالية هذه التدخلات ويجعل أثرها محدودا.
ولا يقتصر التحدي على مسألة الأسعار فقط، بل يمتد إلى سلامة وجودة المواد الغذائية المعروضة في الأسواق ،فقد أظهرت تقارير ومعاينات ميدانية في السنوات السابقة تسجيل حالات متكررة لتسويق مواد منتهية الصلاحية، أو مخزنة في ظروف غير صحية، أو مجهولة المصدر، وهو ما يشكل خطرا مباشرا على الصحة العامة .
وهنا تبرز مسؤولية الفاعلين الإقتصاديين، الذين يفترض فيهم الإلتزام بأخلاقيات المهنة، وعدم إستغلال مناسبة دينية ذات بعد قيمي وروحي لتحقيق أرباح غير مشروعة ، كما أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على تحرير المخالفات، بل تتطلب إرساء منظومة مراقبة فعالة، تعتمد على التتبع المستمر، والتنسيق بين مختلف المصالح، وتفعيل العقوبات الرادعة في حق المخالفين، بما يعيد الإعتبار لقواعد المنافسة الشريفة.
من جهة أخرى، لا يمكن إعفاء المواطن والمجتمع المدني من المسؤولية ، فترشيد السلوك الإستهلاكي، والتبليغ عن التجاوزات، والإنخراط في ثقافة المراقبة المواطنة، تبقى عناصر أساسية في الحد من منطق التلاعب والإحتكار ،كما يظل للمجتمع المدني دور محوري في التوعية، والضغط الإيجابي، ومساءلة السياسات العمومية المرتبطة بحماية المستهلك ، و يكشف الجدل المتجدد حول مراقبة الأسواق مع إقتراب رمضان عن حاجة ملحة إلى تجاوز منطق التدخل الموسمي، نحو إرساء حكامة دائمة للسوق، توازن بين حماية المستهلك، وضمان إستقرار الأسعار، وصون الصحة العامة، فالسوق العادلة ليست مطلبا ظرفيا، بل شرط أساسي للإستقرار الإجتماعي، خصوصا في شهر يفترض أن يكون عنوانا للتكافل والإعتدال، لا للمضاربة والجشع.