مراكش بين فشل التدبير وشهية السلطة: [مدينة تستنزف وطموحات لا تشبع!]…
✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ما الذي يحدث في مراكش هذه الأيام؟
سؤال بات يفرض نفسه بإلحاح، ليس فقط بسبب خرجات سلطوية مربكة، ولا بسبب إحصاء غامض حول حياة الساكنة إلى ما يشبه فيلم رعب جماعي، بل لأن كل ذلك يجري على خلفية سياسية مكشوفة، عنوانها الأبرز:
«فشل في التدبير المحلي يقابله تضخم في الطموح السياسي».
لقد قدمت فاطمة الزهراء المنصوري (بنت الباشا)، لسنوات طويلة بٱعتبارها وجه الخلاص لمراكش، ورمزا لمرحلة جديدة قيل إنها ستنتشل المدينة الحمراء من براثن الفساد والفقر والهشاشة…
غير أن الحصيلة، بلغة الوقائع لا الشعارات، جاءت مخيبة للآمال. مراكش لم تنقذ من الفساد،
ولم تفكك شبكات الريع،
ولم يشعر المواطن البسيط بأن مدينته أصبحت أكثر عدلا أو إنصافا!
الذي تغير في المقابل، هو تضخم دائرة المستفيدين، حيث بدت المدينة وكأنها تدار بمنطق الإمتياز لا بمنطق الخدمة، وبعقلية الحاشية لا بروح المؤسسة.
لقد كانت مراكش، في هذه المرحلة، مدينة تعطي أكثر مما تأخذ، فيما بدا أن المستفيد الأكبر من إشعاعها وموقعها وتاريخها، ليس ساكنتها، بل نخبة ضيقة راكمت النفوذ والمكاسب، ونجحت في تحويل المدينة إلى منصة للترقي السياسي الشخصي.
ومع ذلك، لم يتوقف الطموح عند حدود مراكش، بل تمدد ليصير أكبر من المدينة ومن كل مدن المغرب، طموحا صريحا نحو كرسي رئاسة الحكومة، عبر حزب سياسي لا يحتاج كثير عناء لوصف واقعه، إذ يكفي النظر إلى المسافة الشاسعة بين خطابه ونتائجه على الأرض.
والمفارقة المؤلمة، أن هذا الطموح الوطني الكبير يأتي في وقت لم تحسم فيه بعد أسئلة التدبير المحلي، ولم تقنع فيه الساكنة بأن ما تحقق في مراكش يرقى إلى مستوى الوعود.
بل إن ما تعيشه المدينة اليوم من ٱرتباك إداري، وٱستعراض سلطوي، وإجراءات غير مفهومة كالإحصاء الأخير، يجعل المواطن يتساءل بمرارة:
– إذا كان هذا هو نموذج التدبير المحلي، فبأي منطق يقدم كأهل لتدبير الشأن العام الوطني؟
الإنتخابات المقبلة، التي تلوح في الأفق، تضاعف من حدة هذا القلق.
فحين تتقاطع خرجات السلطة مع توقيت ٱنتخابي حساس، وحين يستعمل النفوذ الميداني بدل الإقناع السياسي، تتآكل الثقة في حياد الإدارة، ويترسخ الإنطباع بأن المدينة تستعمل كورقة في لعبة أكبر منها.
وهنا يتحول المواطن من فاعل إلى ضحية، ومن شريك إلى رقم في حسابات لا تعنيه.
غير أن مراكش، رغم كل هذا، ليست مدينة بلا بدائل.
فهي تزخر اليوم بشباب سياسي واع، قوي الحضور، متجذر في هموم الساكنة، لا تنقصه الكفاءة ولا الجرأة، بل تنقصه فقط الفرصة.
شباب قادر على تقديم نفس جديد، ورؤية مختلفة، وتدبير يقطع مع منطق الوجوه الأليفة التي ٱستهلكها الزمن، وأصبحت مغضوبا عليها من طرف الشارع، لأنها ٱرتبطت في الوعي الجماعي بالفشل أكثر مما ٱرتبطت بالإنجاز.
لقد آن الأوان لطرح السؤال الحقيقي:
– إلى متى ستظل مراكش رهينة لأسماء بعينها؟
– وإلى متى سيطلب من الساكنة أن تصبر على نفس الوجوه ونفس الخطاب ونفس الأعذار؟
المدينة الحمراء لا تحتاج إلى مزيد من الطموحات الفردية، بل إلى مشروع جماعي،
ولا تحتاج إلى سلطة تخيف، بل إلى قيادة تقنع،
ولا إلى إعادة تدوير الفشل، بل إلى فتح الباب أمام جيل جديد يستحق الفرصة.
مراكش اليوم تقف عند مفترق طرق.. إما أن تستعيد روحها كمدينة للكرامة والعدالة، أو أن تظل منصة لطموحات لا ترى فيها سوى سلما للصعود. والتاريخ، كما الساكنة، لا يرحمان من يسيء الإختيار.