محمد طارق السباعي… حين يكون الدفاع عن المال العام سلوكا لا شعارا

0 2٬047

عبد العزيز اللاجي-


هذه الصورة أيقظت في الذاكرة وجه هرم حقوقي اسمه محمد طارق السباعي. رجل بنى نضاله بصمت، حجرا فوق حجر، من الصدق والتجرد والإيمان العميق بالعدل. أنهكه المرض، لكن روحه ظلت واقفة، شامخة كالقيم التي عاش من أجلها. رحل الجسد، وبقي الأثر شاهدا على أن بعض الرجال لا يغيبون، بل يتحولون إلى ذاكرة وضمير.

في مثل هذا اليوم ، الثامن عشر من يناير، تستحضر الذاكرة الوطنية المغربية اسما ظل محفورا في وجدان المدافعين الصادقين عن الشفافية والنزاهة، ويتعلق الأمر بالمناضل الكبير والمرحوم الأستاذ المحامي محمد طارق السباعي، رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، الذي غادر الحياة بهدوء الكبار، بعد مسار نضالي طويل، ترك فيه أثرا لا يمحى في معركة الدفاع عن المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لم يكن محمد طارق السباعي مجرد محام ناجح أو فاعل جمعوي عابر، بل كان رجل مبدأ، آمن بأن القانون رسالة قبل أن يكون مهنة، وبأن الدفاع عن المال العام دفاع عن كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم.

لسنوات طويلة، ظل صوته عاليا في وجه العبث، لا يهادن ولا يساوم، ولا يحسب حسابا للنفوذ أو المواقع، واضعا نفسه في الصفوف الأمامية لمواجهة الفساد حيثما وجد.

عرفه المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، مناضلا جسورا، يجوب المدن والقرى، يتابع الملفات الثقيلة، ويؤطر المناضلين، ويؤمن بأن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لمواجهة منظومات الفساد المتجذرة. استطاع أن يجمع حوله نخبة من الشرفاء، رجالا ونساء، وحدهم الإيمان الصادق بقضية المال العام، دون انتظار امتياز أو مقابل.

إن سيرة الفقيد الإنسانية لا تقل إشراقا عن مساره النضالي. فقد كان مثالا نادرا في النزاهة والتجرد، يعطي دون أن يأخذ، ويدافع عن المحتاجين والفقراء بالمجان، غير عابئ بما قد يدره ذلك من خسارة مادية. ورغم كونه محاميا معروفا وناجحا، ظل يعيش ببساطة، إلى حد أن القدر شاء أن يغادر الدنيا وفي ذمته قرض سيارة كان يستعملها في تنقلاته المرتبطة بالنضال والعمل الحقوقي، في صورة تختزل معنى الصدق ونظافة اليد، وتكشف الفارق الجوهري بين من يتحدث عن المال العام ومن يعيشه سلوكا يوميا.

أنهك المرض جسد طارق في سنواته الأخيرة، غير أنه لم يفل من عزيمته ولا من صلابة قناعته. وبعد الغياب الجسدي، لم يمت طارق السباعي في الذاكرة الجماعية. فقد بقي حيا في ضمير كل من آمن بأن النضال ليس مناسبة ظرفية، بل التزام أخلاقي دائم، وبأن الدفاع عن المال العام ليس شعارا، بل تضحية ومسؤولية وثمن يؤدى. إن استحضار اسمه اليوم ليس مجرد وفاء لذكرى، بل تذكير بمرحلة نضالية خالصة، وبقيمة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يغيروا ولم يبدلوا.

في ذكرى تأبينه، لا نرثي رجلا بقدر ما نستحضر مدرسة في النضال، ومسارا نقيا، ورسالة مفتوحة للأجيال الجديدة من الحقوقيين والفاعلين المدنيين، مفادها أن الدفاع الحقيقي عن المال العام لا يقاس بالأضواء الإعلامية، بل بصدق النية، ونظافة اليد، والاستعداد لتحمل الكلفة مهما كانت.

رحم الله محمد طارق السباعي، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه منارة لكل من اختار طريق النزاهة والعدل في زمن عز فيه الصادقون.

* محمد طارق السباعي
– مؤسس ورئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب
– عضو بارز في المرصد الوطني لمراقبة استعمال المال العام
– مؤسس ومدافع في الشبكة المغاربية لحماية المال العام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.