ليلة اختفاء السيد أحمد البهجة ..** للقاص لحسن باكور …..من إعداد الأستاذ محمد نور الدين بن خديجة

0 930

 

ذات صباح خريفي شديد البرودة اختفى أحمد البهجة -فجأة- من الوجود !.
كان مواطنا عاديا ..لم يكن ذا جاه أو سلطة …لم تضطرب لاختفائه المدينة ويختل إيقاعاها في ذلك اليوم ..لكن اختفاءه على ذلك النحو الغامض أثارالكثير من القلق والأسئلة (لدى زوجته ومعارفه ).
تعددت إفادات شهود العيان بشأن اختفاء أحمد البهجة ..فقد أفادت زوجته بأنها انتظرت عودته تلك الليلة طويلا إلى أن غلبها النوم ..ولاتستطيع أن تؤكد إن عاد بالفعل إلى البيت تلك الليلة أم لم يعد .آخر ماعلق بذاكرتها من ليلة القلق تلك ..مشهد حارس موقف السيارات وهو يضرم النار في كومة أخشاب ليتدفأ بها في برد الليل .
قال جلساؤه في الحديقة العمومية : – لم يتخلف أحمد البهجة عن الحضور ..لكنه ظل واجما على غير ما عهدناه .لعب جولتي طاولة دون حماس ..ثم تأبط كرسيه القابل للطي وغادر فجأة دون أن يفصح عن وجهته .
قال مقدم الحي : – بينما كنت أقوم بجولتي التفقدية المعتادة داخل الحي استرعى انتباهي هرج ومرج أمام منزل المواطن المسمى أحمد البهجة . اقتربت من المكان للوقوف على جلية الأمر ..فوجدت الملأ يتداولون خبر اختفاء الشخص المعني . كانت زوجته جالسة في عتبة المنزل مصدومة وشبه منهارة . كانت ذاهلة ولم تستطع التجاوب مع استفساراتي إلا بمشقة ..وقد شاب كلامها اضطراب وتداخل . لم أعرف للرجل أي ميولات سياسية محددة . فباستثناء مجالسته لجمع من المتقاعدين والعاطلين على كراسي الحديقة العمومية ..إلا أنه لا يتورع أحيانا عن الجهر أمام الملأ ببعض الآراء أو المواقف الغريبة التي تلفت إليه الأنظار ..خاصة إذا تطرق الحديث إلى مراكش التي يسميها مراكش السوداء ..كما أني سمعته أكثر من مرة ينعتها ب ” مدينة الغبار ” ويكني أهلها ” بني الأغبر ” .
كان قد أنشأ حديقة صغيرة في مدخل بيته وسيجها بالأسلاك متطاولا على الملك العمومي ..بناء على التقرير الشفوي الذي رفعته ..وفدت لجنة من البلدية لإزالتها ..لم يحاول عرقلة مهمتها ..بل إنه أكرم وفادتنا بصينية شاي طالبا منحة مهلة كي يتولى أمر إزالة الحديقة بنفسه .وأذكر أن الحديقة كانت مزروعة بنخيلات بعد طرية العود . ولقد عاينت كيف انهمك في انتزاعها برفق بالغ خشية أن تتأذى ..قبل أن يودعها أكياسا ..ثم تراجع تاركا المجال للجرافة كي تطيح بسور الحديقة الصغيرة .
ولعل أكثر الإفادات غرابة ..مايرويه حارس موقف السيارات الذي يزعم أنه رأى السيد أحمد البهجة يقف للحظة خاطفة على حافة نافذة منزله ..ثم يهوي في الفراغ ..وأنه رأى ما يشبه سحابة كثيفة من الغبار تظلل المكان لفترة قبل أن تتبدد .وبعد أن أفاق من دهشته ..ركض نحو المكان مذعورا ..لكنه لم يجد جثة السيد أحمد البهجة فوق إسفلت الشارع مثلما توقع . كان المكان فارغا غارقا في الصمت ..فيما بقايا غبار تتلاشى ببطء .
وفي إفادة ثانية للزوجة قالت :
– عندما استيقظت صباحا وبي فزع ..كان ضوء النهار قد أوشك أن يغمر الغرفة . لاحظت أن نافذة غرفة النوم كانت مشرعة تتماوج ستارتها بهدوء ..أثار انتباهي غبار كثيف فوق ملاءة السرير ..ومتخللا ثنايا الغطاء . أسرعت لإغلاق النافذة ..وبينما كنت أحكم إغلاق المصراع استرعت انتباهي كمية أكبرمن الغبار منثورة على طول إفريز النافذة . لم أفهم من أين جاء كل ذلك الغبار ..وشعرت على نحو غامض بأن له علاقة مابزوجي فتوجست خيفة .
قال الراوي : – في ذلك اليوم ..قصد أحمد البهجة موقف الحافلات القريب ..حيث استقل الحافلة باتجاه محطة ” باب دكالة ” .هناك ترجل وأكمل الطريق نحو وجهته . بعد خطوات قليلة شعر بسحابة الضيق المطبقة على صدره منذ الصباح وقد بدأت تخف ..لولا أن سحابة أخرى من غبار انقضت عليه فجأة من حيث لا يدري ..غطت وجهه واخترقت خياشيمه فدهمته نوبة سعال حادة دمعت لها عيناه .
في الخلاء الممتد إلى يمينه على مقربة من سور المدينة العتيق .حيث تنتشر نخلات مات معظمها عطشا أو حرقا ..كانت غيوم كثيفة من الغبار تغطي المكان وتتهادى ببطء فوق هامات النخيل ..أمعن النظر فإذا حشرات حديدية عملاقة تتحرك في الخلاء وتزمجر وهي تغرز مخالبها في بطن الأرض وتقتلع جذوع النخل مطيحة بها أرضا ..ومثيرة سحبا كثيفة من الغبار .
مشى بين الأزقة والدروب محفوفا بالغبار .غبار يأتيه من كل جهة ويحاصره .ظن في البداية أن رماد الفرن علق بثيابه ..فراح ينفض ثيابه بعصبية ..لكن دون جدوى ..كلما تخلص من غبار علق به آخر .. حينذاك اكتشف مذعورا أن الغبار ينبع من داخله ..من بين ثنايا ثيابه ! فتح فمه التماسا لنسمة هواء فسبقت ذرات الغبار الهواء إلى رئتيه واقتحمت خياشيمه ..فأوشك أن يختنق .
تقدم داخل البيت بلا صوت تقريبا .لم يكن يسمع سوى حفيف ذرات التراب وهي تتساقط من جسده وتنساب فوق الأرضية ..وامتدد خلفه خيط رفيع من التراب من الباب حتى غرفة النوم . كانت زوجته نائمة .تأمل وجهها الهاديء المستغرق وخامره شعور موجع بأنه يراها للمرة الأخيرة ..جلس إلى جانبها المستغرق وخامره شعور موجع بأنه يراها للمرة الأخيرة . جلس إلى جانبها فوق السرير ومد يده نحو اللحاف ليسدله على ذراعها العارية ..لكنه شعر فجأة بذرات التراب تتراكم في حلقه وتسد منخريه فشعر بالاختناق . اندفع نحو النافذة وفتح مصراعها بعنف التماسا للهواء فتفتت كفه اليمنى . فتح إحدى دفتي النافذة ..ثم صعد مستعينا بكرسي . وقف وفوق إفريز النافذة للحظة وجيزة ثم قفز في الهواء . لثواني معدودة سبح في الفراغ بكامل هيأته تقريبا قبل أن يتفتت ويتناثر كوما من التراب والغبار في الهواء وفوق إفريز النافذة .
** لحسن باكور قصاص مغربي من مدينة مراكش ..صدرت مجموعات قصصية متميزة في المشهد القصصي المغربي . والقصة مأخوذة عن المجموعة القصصية الفائزة بجائزة الطيب صالح – السودان سنة 2017 بعنوان ” الزرافة تظهر في غابة الإسمنت ” . والغريب والناذر والملفت للاهتمام أن لحسن باكور يشتغل بسلك الأمن الوطني .. تحية له من منبر بيان مراكش الإلكترونية .

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.