كلمة مني إلى مبدعين واعدين، طلبة من مدن مغربية خطوا أولى خطواتهم على درب الكتابة السردية، من خلال عشرات النماذج (توصلت بها من صديقتي المربية الفاضلة والمبدعة المتألقة الأخت سميرة أملال).

0 1٬238

ذ.علي درويش

كلمتي لهؤلاء ولكل من أخذ يسكنه عشق الكتابة فيحاصره سؤال الدهشة وحيرة البداية:
“كيف ولماذا ومتى ولمن أكتب الرواية خاصة والقصة عامة؟؟”.
هو رأيي الخاص، قد لا يلبي انتظارات غيري ولكنه رأي تكوَّن كثمرة لتجربة قرائية امتدت على مدى عقود، قرأت خلالها عشرات الروايات ومئات القصص، وكنت أجهد نفسي إجهادا (حسب إمكانياتي) في أن تكون قراءة فاحصة، يقظة، متسائلة، متفاعلة مع المقروء.
فضلا عما استفدته من مكتسباتي المعرفية والنقدية والمنهجية من الدراسة الجامعية ومن مهنة التدريس.
هو رأي وليس وصفة لابديل عنها، فالابداع الفني ومنه كتابة السرد لا يتأتى وفق قالب مسبق ولاتحت الطلب، إنما هو وليد دافع داخلي (ذاتي) إلى اقتحام المجهول، إنه وليد عوامل تحركنا نحو القلم والورقة ، أقول “تحركنا” ولذلك فلنصفها بمحركات جلُّها نابعة من داخلنا حتى وإن كانت استجابة لعوامل المحيط الاجتماعي أو القومي أو الانساني، محركات تُوَلِّد لدينا الرغبة في الكتابة؛ هذه هي الكلمة/ المفتاح (الرغبة) التي تمنحنا الطاقة لتحقيق حلم الكتابة وتزودنا بالقدرة على الاستمرار فيها تماما كما لو أنها محرك يشغل آلة صماء.
جل هذه العوامل الداخلية في الغالب الأعم تنبع من ذواتنا ويصعب إدراكها على صورتها الحقيقة على غير المحلل النفساني، كالحاجة إلى التعويض والتنفيس أوالاستعلاء أو التبرير وغيرها؛ والتي يأتي منجزنا الإبداعي تلبية لها لإرواء ذاتنا المتعطشة إلى التعبير، لقول شيء ما كي تشعر بالراحة، هذه الرغبة التي تصل أوجها عبر الانفعال (خوف- فرح- غضب- حزن- ألم – تحدي- اغتراب..الخ)، وباختصار الكتابة من غير رغبة وفي غياب الانفعال مجرد صناعة بلا روح، أو هي بمثابة صندوق منمق من الخارج ولكنه فارغ من الداخل.
إذن أكتُبْ لأن الانفعال يحاصرك ويولد رغبتك في الكتابة، ولا تكتب لأن هناك من يطلب منك ذلك، كمجموعة تصفق لك أو قارئ ينتظرك، اُكتُبْ لنفسك، (ولا أقول عن نفسك فقط، فقد تكتب عن الغير أيضا) اُكتب لإرضاء رغبة في أعماقك، وليس للاستجابة لانتظارات قارئ قد يبدي ابتسامته الزائفة عبر المجاملة والتصفيق واللايكات ويخفي حقيقة تقبله لما تكتب.
في رسالة إلى: Louise Colet يقول Flaubert:
“أنا أكتب لنفسي.. كما أدخن، كما أنام، إنها أشبه بوظيفة حيوانية…”.
وبذلك فالكتابة لتحقيق رغبة فيك هي عمودك الفقري الذي تسترجعه ليعيد لذاتك كما لجسدك توازنهما.
وخلال تلك الرغبة التي تسكنك، تراودك فكرة، هكذا، من غير ميعاد، تنبثق في لحظة ما في مكان ما (في المطبخ، في مسبح، فوق السطح، وأنت مستلق على السرير، أو بالمقهى وأنت تسوق سيارتك…)، لا تعتصر ذهنك لتستدعيها، يكفي أن تنتظرها وستأتي، يحدثنا أمبرطو إيكو حول فكرة روايته (اسم الوردة) كيف نزلت (أو طاحت عليه بعاميتنا)، فكرة تافهة لراهب دُسّ له السم؛ وكان لحظتها يتصفح كتابا بإحدى المكتبات.
أما عن روايته :
le pendule de Faucot
فقد نزلت فكرة le pendule
الذي كان شاهده منذ سنوات بمتحف ما، وظن أنه نسيه ثم فجأة حضرته صورته وهو يعزف في جنازة أحدهم.
إذن، اِغتنم الفكرة واكتبها، ولا تتررد، وستجد – لاحقا- أن لها (ما قبل) و(ما بعد) ، ودع الحدث ينساب كالجدول، ولا ترهق نفسك في تخطيط مسبق كالمدرس الذي يخطط لدرسه أو المهندس المعماري الذي يضع تصميما لعمارة، فالرواية جدول منساب وهي والقيد المسبق لا يلتقيان.
اكتب الفكرة ولا تنشغل بكم وقتا سيأخذ منك إخراج هذا المنجز للحياة، فالكتابة لا تبنى وفق قالب جاهز في شكله وحجمه وزمن كتابته، إنما هي مغامرة لاكتشاف مجهول؛ وقد تعترضك وأنت تكتب، كلمةٌ أو عبارةٌ أو حوارٌ فيغير مسارك إلى وجهة غير التي كنت تقصدها، وقد يزج بك في متاهات لم تكن فكرت فيها مسبقا.
أما القولبة الجامدة مسبقا، فهي مثل سرير Procuste الذي كان يبتر أجزاء من ضحاياه أو يمططها لتتناسب وطول سريره، كذلك الكتابة وفق قالب جاهز، قد تفضي إلى تشويه النص أو ربما إلى قتله قبل أن يكتمل.
قم بالخطوة الأولى ، ولا تَدَعِ الخوف يشل قدرتك على مواصلة السير، فالكتابة رحلة مثل الحب تنطلق من نظرة ، فابتسامة ، فانجذاب، فلقاء، فمغامرة قد تدوم حياتك كلها وقد تقصر لبعض الوقت.
لذلك وأنت تكتب لاتُلقِ بالا لمن يثبطون عزيمتك، بملاحظات جزئية شكلية أو تعبيرية أو معرفية قد تكون محبطة ، لمجرد خطإ في الإملاء أو عبارة ركيكة. بل اصغِ لرغبتك وواصل .
تخبرنا فيرجينيا وولف بأنها كانت تُغلق أذنيها بأصبعيها كي لا تسمع نصائح من يحيطون بها فتؤثر سلبا على قدراتها الطبيعية على الخلق والابداع.
أقول: “الخلق والابداع”، أي ركوب صهوة الخيال، فلا تنقل وابتكر، ولا تصرِّح ولمح، ولا تتحول إلى صحفي يقرر أو خطيب يذكِّر ، بل ابعث الروح في لغتك لتكون متمنعة كالعذراء الفاتنة لا تبوح بسرها لأول طارق، اتخذ من الخيال وصفتَك السحرية في الوصف والسرد والحكي والشخصيات والحوار، ولا تَنُبْ عن القارئ فتفسر أو توضح، فجل القراء كسلاء أو مصابون بقصور في الفهم وفي التأويل، لذلك لا تقم مقامهم، بل أتْعِبْهم ولا تحول يراعك إلى نادل مطعم يقدم لهم الجاهز من الطعام والشراب كما طلبوه بالضبط، أي اشحن شخصياتك وأحداثك و حواراتك بالإيحاء والرمز والانزياح.
يرى سارتر في ( ما الأدب):
أن تكون كل شخصية بمثابة فخً يقع فيه القارئ، فينتقل من وعي إلى وعي جديد ومن عالم مطلق وغير قابل للعلاج إلى عالم آخر مطلق بنفس القدر.
كأن سارتر يقول: لا تقدم للقارىء ما هو سطحي يقيني جاهز.
ولا تستعجل، فالكتابة كالصبي، تحبو وتسقط قبل أن تقف على رجليها وتركض، كما أنها لا تؤخذ من المدارس والجامعات ومراكز التكوين. نعم هذه قد تزودك باللغة وبالمعرفة ولكنها لا تخلق منك مبدعا، لذلك اقرأ واستفد مما تقرأ، فحين وُجِدَ الإبداع وُجِدتْ معه التلمذة، ليأخذ اللاحق عن السابق، قبل أن يستقل بشخصيته وأسلوبه وهويته الإبداعية.
يسأل بعضكم عن أمور تقنية تخص الناقد ولا يعيرها جل المبدعين اهتماما، بل أكثرهم لا ينتبه لها إلا بعدما يخبره الناقد أو الدارس بأنه وظفها في كتابته ومنها زاوية الرؤية في السرد: هل أسندها لراو من الداخل كأن تقوم بها شخصية من الشخصيات؟ وفي هذه الحالة لن يكون بمقدور هذه الشخصية النفاذ إلى أعماق بقية الشخصيات لأنها تجهل فيم يفكرون أو ما سيقع لهم لاحقا؟؟ أو هل أوظف الراوي “العليم”: ( يصفه بعضهم بإله) يعلم كل شيء عن الشخصيات ماضيها حاضرها وداخلها وخارجها؟؟ أو هل أتبنى الراوي من الخارج لتحقيق قدر من الموضوعية والحياد مع أنها تقنية يصعب تبنيها لأن الابداع لا يتجرد من الذاتية أبدا؟؟؟..
أقول:
لاتشغل بالك بما درسته من تقنيات وأشكال السرد فأغلب الكتاب لا يفقهون شيئا مسبقا من تلك التقنيات من ( سرد، حكي، حبكة، رؤية سردية، وخطاطة سردية وتقنيات الزمن السردي، وتقنيات الحوار ..الخ)، أكتب وأجِّل التقنيات فلاتستعجلها لأنك ستتقنها لاحقا بعد التمهير، تماما كقيادة الدراجة وركوب الفرس وكالسباحة فمن السابق لأوانه، وأنت لم تعرف السباحة بعدُ، أن تتساءل: أأسبح سباحة حرة أو على الظهر أو سباحة الفراشة؟؟
هذه تأتي من بعد يا هذا!!
فما عليك الآن إلا أن تكتب، أن ترتمي في النهر أولا، كما يقول إخواننا الأفارقة:
à force de barboter dans l’eau on devient nageur.
واكتب ولا تستعجل دوما وأنت تقدم الشخصيات أو تصف فضاء أو تجري حوارا، لتقول كل شيء دفعة واحدة كقطعة واحدة، فصفاتُ أو ملامحُ شخصية ما مثلا، قد تأتي مجزأة، متناثرة متباعدة عبر جسد النص الروائي كله؛ ومن مهام القارئ أو الدارس أنه هو الذي سيلتقطها ويجمعها ويعيد تركيبها تماما كقطعة puzzle، ليرى الشخصية مكتملة أمامه بمختلف أبعادها …
وباختصار، اكتب ولا تتراجع مع أول شعور بالفشل.
متمنياتي بالتوفيق لكل مبتدىء.( ع.د)

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.