قصيدة : تصوّف.. للشاعر الكبير مظفر النواب 

0 3٬556

 

غَرِقوا في بحرِ العشقِ
وصاحوا في لُجَجِ العُمقِ
نَزَلتَ بِصمتِكَ في اليَمِّ
وأنقَذتَ البحرَ مِنَ الماءْ
ساحِلُهُم أنتَ
وزَورَقُهُم في الليلِ
على قِنديلِكَ تَلتَمُّ
أَكُفُّ الريحِ
تُدَوزِنُ أجراسَ
أصابِعِها الزرقاءَ
على عَدَمٍ لا يرحَمُ
والروحُ كقِنديلِ البحرِ يُضاءْ
أغدَقتَ على البحرِ
بِمِجذافَيكَ كنوزُ اللؤلوءِ
ألفَيتَ وصولُكَ ينأىٰ
طَلِّقْ مِجذافَيكَ
تَجِد نَفسَكَ للتَوِّ وَصَلتَ
كمالُ العِشقِ
بُكاؤكَ مِمّا لا تَذكُرُ
أُنظُرْ كيفَ يسيرُ السَّكرانُ
كَمَن يرقُصُ في الكَينونَةِ
حين تَغيبُ الأشياءْ
حُبُّكَ كان مُقامَرَةً بالمألوفِ
لِتَربَحَ أو تَخسَرَ
ما بَعدَ العِشقِ
بَلَغتَ الوَحدَةَ… شاهَدتَ
أنا أشهَدُ أنَّكَ شاهَدتَ
لماذا تَطرُقُ
أبوابَ الأمسِ وتَهرَبُ؟
أستَحضِرُ طِفلاً
سَرَقَتهُ الغَفلَةُ مِنّي
لَم يَجِدوا
غَيرَ سِياجِ النِّسيانِ
وبَعضَ ملابِسهِ
لا بُدَّ تَعَرّىٰ للكَونِ
فقد كان يُحَدِّثُني
أنّ الكَونَ مُحيطاتُ عَراءْ
فاجَأني رَغمَ فَصاحَتِهِ باللّهوِ
يُفَتِّشُ عن شيءٍ
زَقزَقَ في دالِيَةِ الوَجدِ
ولٰكن سَكَتَ الشيءُ
بأوّلِ خُطوَةِ بَحثٍ
إسمَعْ …
مِئذَنَةُ العِشقِ
تُخالِفُ مِئذَنَةَ المسجِدِ
قُمْ وتَوَضَأ بِنَسيجِكَ
إنّ صلاةً لِوجودٍ
ليست كصلاةٍ لِفَناءْ
هٰذا مسجِدُ وجدِكَ والمِحرابُ
تَواجَد للنورِ
تَواجُدَ بُستانِ اللوزِ
قَدِ الفانوسِ يُضيئُ
بِقِلَّةِ حَظٍ
خَمسينَ أضاءْ
ولم يحضَر أحدٌ تأديَةً
الولَهِ الكَونِيّ
وتَدخُلُ ثَلجَ العُمرِ
ونارُ فُؤادِكَ لم تَهدَأ
وتَرىٰ امرأةً
تتأنَّفُ في ماءِ الصُبحِ
وتقولُ لِمَن مِثلِكَ
يَحمِلُ آلامَ الدَّربِ
تَدَوزَنْ فوقَ الرَّملِ كَدَوزاني
لا نتركُ قافِلةَ العِشقِ
بِدونِ حِداءْ
آهٍ مِن بحرِ الرّملِ … آهٍ مِن بحرِ الرّملِ
ومِن بحرِ البحرِ
وآهٍ مِمَّن يُبحِرُ بَينَهُما
مُختَرِعاً غَرقاً
لا الزورَقُ يُجدي إذ ذاكَ
ولا صَيحاتُ العُمقِ
ولا أنتَ لِنَفسِكَ تَنفَعُها
سَيَشُكّونَ بِبَحرِكَ هٰذا
سامِحْ بُؤسَ مَواسِمِهِم
أسرىٰ للعَرشِ نَبيٌّ
أما الباقونَ فكانت لهم
كلُّ الأسرارِ إلّا الإسراءْ
يا قارِئَ مِسكَ الكَونِ بِعِشقي
لا تُجهِدْ نَفسَكَ
إدخالي قارورَةَ عِطرِكَ
كلُّ قواريرِ العِطرِ
وكلُّ قَناني الخمرِ
وكلُّ زُجاجِ اللهِ
يَضيقُ عَلَيَّ
أحَبُّ لِنَفسِيَ
أن يلمسَ عُريي
عُريَ الكَونِ بِمَسحةِ إثمٍ
مِن رَفعِ طهارةَ كَفَيَّ
صلاةً عَمياءْ
لم أكتُمْ وَلَهي
أُمطِرُ مَثلَ سُقوفِ
المُدُنِ المهجورةِ
حينَ تَجيئُ نجومُ الليلِ
ولَستُ أراكُم
أُرسِلُ لا جَدوىٰ الصمتِ
رِسالةَ عِشقٍ
أتَشاغَبُ أنّي لا أهواكُم
أجمَعُ دَربي بأناةٍ
أُخِفيهِ بِمحفظتي
ما دُمتُم لا تأتونَ
لماذا الدَّربُ؟
لماذا مَطرَقةُ البابِ؟
لماذا أنظُرُ في شَقِّ الدهرِ
إلىٰ أزمِنَةٍ لم تتكوّن بَعدُ؟
وماذا تَعني
وأنا لا سقفَ …
يغطي وجَعي كلُّ الأنواءْ
لٰكن حينَ أمُرُّ
بقصرِ المُستَهْيبِ باللهِ
أعفُطُ عاشَ وأسكُتُ
تَنهالُ سِياط المِلحِ
مِنَ البحرِ إلى البحرِ
تُجَرِّحُ ظهري
أحاوِلُ تعديلَ فمي
كي لا يَعفُطُ
لا يُمكِنُ قَطُّ
وتأخذُ منّي العَفطَةَ
شكلاً مُنحرِفاً
حينَ أرىٰ المُنحرِفينَ
مِن الأمراءِ
يا رَبُّ …
أهٰذا أيضاً قدَرٌ وقَضاء؟
إشرَب قُرَّةَ عَيني
روحُكَ كالصُبّارةِ عَطشىٰ
وعصافيرُ الصُّبحِ
تَمُرُّ بها دونَ مُبالاةٍ
إشرَبْ …
نَسِيَت هٰذي الدّنيا أنكَ ماضيها
نَسِيَت هٰذي الخمرَةُ
أنكَ حانَتَها وغِناءَ لياليها
إشرَبْ … إشرَبْ … إشرَبْ
مَن لا يشربُ
مِن خمرِ العِشقِ
يُنَجِّسُ أيَّ إناءْ
يَتَحَمَّلُ جِسمُكَ مَنفاهُ
أمّا منفىٰ الروحِ
فكيفَ تُداوي ما لا يُلمَسُ ؟
لُغزُكَ أنكَ في دائِك
إن شِئتَ دواءْ
إشرَب بِهُدوءِ صلاةٍ
وكَذا في الدنيا
مولايَ تَرَكتُ
المسجدَ والعُبّادَ سُكارى
وترَكتُ الحانَةَ والنَّدمُ حيارىٰ
والآن أُضيفُ إلى صحرائي
في عِشقِكَ صحراءْ
أختَرِعُ الواحَةَ فيها
وبالحُبِّ سيَنبَثِق الماءْ
أشكوكَ إلَيكَ
وأرجو صمتَكَ مولايَ
فصمتُكَ أوضَحُ
مِن كلِّ لُغاتِ العِشقِ
ولَهوي بين يدَيكَ
صُداحَ طُيورٍ خرساءْ

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.