بقلم: أبو أمين – بيان مراكش
ليست كل الأبواب تُغلق بالمفاتيح؛ فبعضها يُوصَد بنظرةٍ قاسية، أو بكلمةٍ عابرة قادرة على تغيير مجرى العمر كله. في تلك الليلة البعيدة، لم يكن البرد يسكن الجو وحده، بل كان مستقراً في القلوب أيضاً.
في تسعينيات القرن الماضي، عاد الراوي متعباً إلى بيت العائلة بعد مسيرٍ طويل نحو منزله البعيد. طرق الباب بخطى خفيفة، ففتحه أحد إخوته بوجهٍ جامد، وقال ببرودٍ مميت:
«الوالد سلّمني الدار أمانة… يعني خاصّك تمشي.»
سقطت الكلمات كالصخرة. لم يكن الصمت آنذاك ضعفاً، بل تفادياً لاشتعال نارٍ لا تنطفئ. غادر المكان، غير أن الغصّة ظلّت ترافقه كظلٍّ لا يرحل.
اضطر الراوي في تلك الليلة إلى البحث عن مأوى مؤقّت خارج البيت، فوجد نفسه في مكانٍ لم يكن آمناً ولا مطمئناً. كانت الأجواء مشحونة بالاضطراب، وأحداثٌ متسارعة كادت أن تجرّه إلى ما لا تُحمد عقباه، لولا ألطافٌ إلهية حالت دون الانزلاق في مسارٍ مظلم. عندها أدرك أن الظلم، حين يُغلق باباً في وجه صاحبه، قد يدفعه قسراً نحو حوافّ خطرة، لا ينجو منها المرء إلا بعناية من الله.
تلك الحادثة كانت بداية وعيٍ قاسٍ بحقيقة الحسد، لا بوصفه شعوراً عابراً، بل داءً يتغذّى على الغيرة ويعيش في الظل، منتظراً لحظة الانقضاض. كان الأخ يرمقه بنظراتٍ غامضة، مردّداً مثلاً شعبياً لاذعاً:
«الله تايعطي الحمص للي ما عندو سنان.»
عندها اتّضح أن بعض الإخوة يولدون من الرحم نفسه، لكنهم لا يعرفون معنى الرحم.
بعد سنوات، لم تتوقف المأساة عند تلك الليلة. تكررت الوقائع وتراكمت الخيبات، وزاد الطين بلّة حين اصطدمت محاولات التذكير والإصلاح بجدارٍ من التعنّت والاستكبار. كانت الحقيقة تُقال، لكنها تضيع بين أذنٍ تسمع وأخرى لا تصغي.
في سياقٍ أوسع، لم يعد الأمر مجرّد خلافٍ عائلي عابر، بل تحوّل إلى ما يشبه تحالفاً صامتاً، على شاكلة تحالف الضباع، لإقصاء أحد الإخوة وتجريده من حقّه المعنوي قبل المادي. استُغِلّ الدمُ والقرابةُ كغطاءٍ للظلم، واستُعملت «الأمانة» ذريعةً للطرد، فيما ظلّ الحسد وقودًا خفيًا لمعركةٍ غير متكافئة.
من هناك بدأت الغُصص الأولى؛ غُصصٌ صغيرة وُئدت في الظلام، لكنها نمت في صمت حتى تحوّلت إلى ما يشبه غابةً من الضباع، تتكاثر على هامش الذاكرة، وتتقاسم الأدوار، وتُمعن في الافتراس الجماعي، كما تفعل الضباع حين تنقضّ على فريسةٍ متعبةٍ منهكة.
اليوم، وبعد مرور السنين، لا تزال تلك الغابة تعوي من بعيد. تتبدّل الوجوه، لكن الجوهر واحد: منطق الإقصاء الذي يقتات على الحسد، ويحوّل الأخوّة إلى خصومة، ويُسمّي الطرد «أمانة»، والظلم «حقّاً».
هكذا تبقى «ليلة الأمانة» شاهدةً على أصل الحكاية؛ حكاية لم تنتهِ بعد، لأن ما يُسمّى بـ«معركة الضباع» ما يزال يُكتب بحبر الصبر والوعي.
ملاحظة:
أي تشابه بين الرمزي والواقعي في هذا النص مقصود، والمقصود منه المجانسة الرمزية والتعبير المجازي.