م.س : بيان مراكش
في الجزائر لا تأتي المفاجآت من الوقائع، بل من ردود الفعل عليها ،فحين يبث تحقيق صحفي، لا يفتح نقاش، ولا تطرح أسئلة بل يستخرج بلاغ جاهز من درج السيادة، ينفخ فيه الغضب وتعاد فيه صياغة الكلمات نفسها، وكأن المشكلة ليست في ما كشف، بل في الجرأة على الكشف.
تحقيق فرانس 2 لم يحتاج إلا إلى دقائق قليلة ليضع الحقيقة على الطاولة ، لكن الجزائر تصرفت وكأن السماء سقطت عليها ، دولة تصفق لشعارات القوة صباحا، وترتجف أمام كاميرا دقيقة بعد الظهر ،كل الجهوزية ..كل البلاغات ..كل البيانات الاستنكار الطويلة ، لم تمنع كشف ما حاولت سنين إخفاءه ، فبات الواقع يتحدث بينما النظام يلهث خلفه بصياغات فارغة ومفردات مستهلكة.
لم تحتج القناة الفرنسية إلى إختلاق قصة، ولا إلى فبركة مشاهد، ولا إلى حملات عدائية كما تدعي البيانات الغاضبة، كل ما فعلته هو تشغيل الكاميرا، الإستماع إلى الشهادات، وربط الوقائع ببعضها ، والنتيجة كانت كافية لفضح نظام بنى صورته الخارجية على الشعارات، لا على الممارسة.
التحقيق لم يعتد على الجزائر، بل كشف التناقض العميق بين ما تقوله الدولة عن نفسها، وما تفعله باسمها ، دولة ترفع شعار السيادة في كل مناسبة، لكنها تتهم، بوثائق وشهادات، بمد أذرعها الإستخباراتية إلى أراضي دولة أخرى، وإستعمال جاليتها كورقة ضغط، وأداة مراقبة، ورهينة صامتة.
الرد الرسمي لم يكن نفيا، ولا توضيحا، ولا مساءلة داخلية، بل بلاغ طويل مشحون بالغضب ،والغضب حين يصدر عن دولة، لا يقنع أحدا ، لأنه لا يجيب عن سؤال بسيط يطرحه أي متابع في باريس أو بروكسيل أو حتى الجزائر نفسها ،هل ما ورد في التحقيق صحيح أم لا؟ فالبلاغ إختار الطريق الأسهل ، مهاجمة المصدر بدل تفكيك المضمون ،إن إتهام الإعلام بدل الرد على الوقائع،و إستدعاء مفردات “الانحطاط” و”اليمين المتطرف” و”الاعتداء على الرموز” وكأن المشكلة في الكلمات، لا في الأفعال، وكأن السيادة تحمى بالصراخ، لا بالالتزام بالقانون.
والأكثر إحراجا أن النظام الجزائري ظهر، من خلال رده ، فاقدا للسيطرة على صورته ،فالدولة الواثقة لا ترتبك أمام تحقيق، والدولة التي تحترم نفسها لا تخشى الصحافة، والدولة التي لا تخفي شيئا لا تحتاج إلى بلاغات هجومية لتغطية الفراغ،
ثم تأتي وكالة الأنباء الجزائرية لتضيف طبقة أخرى من المفارقة، وكالة رسمية إشتهرت بتوظيف لغة عدائية ضد المملكة المغربية الشريفة ، وبالإنخراط في خطاب تعبوي، خرجت فجأة لتوزع دروسا في أخلاقيات الإعلام، وتدافع عن “المصلحة العامة”و”أموال دافعي الضرائب الفرنسيين” … في مشهد لا يثير الغضب بقدر ما يثير السخرية، لأن من يفقد المصداقية داخليا، لا يستعيدها بخطاب وعظي خارجي.
وما كشفه التحقيق، وما أكده الإرتباك الرسمي، هو أن النظام الجزائري لا يخشى الكذب بقدر ما يخشى إنكشاف الحقيقة .. يخشى أن يرى العالم كيف تدار السلطة، وكيف يستعمل المواطن الجزائري ، وكيف تتحول الجالية من فضاء إندماج إلى أداة أمنية ، و أمام الكاميرا سقطت الزينة اللغوية، وتعرى الخطاب الرسمي الجزائري ، وبقي الواقع وحده نظام يرفع شعار السيادة، لكنه لا يتحمل المساءلة ، يدعي القوة، لكنه يرتبك أمام تحقيق ، يتحدث بإسم الشعب الجزائري ، لكنه لا يثق به … فالجزائر لم تحرج فرانس 2 لأنها هي من أحرجت نفسها، حين إختارت الغضب بدل الحقيقة، والبلاغ بدل الجواب، والإنكار بدل الشفافية. وعندما تقف الدول أمام العالم بلا أجوبة، تكون قد تجردت من كل شيء… إلا من إرتباكها.
