م.س : بيان مراكش
لم يكد النقاش حول أسعار الأضاحي ينتظر الأسابيع التي تسبق عيد الأضحى، حتى بدأ هذه السنة مبكرا على نحو لافت، مع تداول تصريحات هذا اليوم وتوقعات تتحدث عن إحتمال إرتفاع أثمان الأضاحي. وقد أرجعت هذه التوقعات إلى عوامل خارجية من طرف جمعية مربي المواشي ، من بينها التوترات الجيوسياسية المرتبطة بــ إيران، في محاولة لربط السوق المحلية بتحولات دولية ما تزال آثارها الفعلية غير واضحة ، غير أن ما يثير الإنتباه في هذا الخطاب ليس فقط مضمونه ، بل توقيته أيضا ، إذ سرعان ما وجد طريقه إلى بعض الصفحات النشيطة في تسويق المواشي على مواقع التواصل الإجتماعي ،و التي بدأت بدورها تروج لفكرة أن الأسعار ستكون مرتفعة ، وكأن الرأي العام يهيأ تدريجيا لتقبل هذا المعطى قبل أن تتضح معالم العرض والطلب داخل السوق الوطنية.
هذا الأسلوب في تقديم التوقعات يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود المسؤولية الأخلاقية لبعض الفاعلين في القطاع، خاصة عندما يصدر الحديث عن الغلاء في وقت مبكر ، وقبل توفر مؤشرات دقيقة حول حجم القطيع المعروض أو كلفة الإنتاج الفعلية… فمثل هذه التصريحات حين تتكرر في فضاءات التواصل و عبر الجرائد ، قد تتحول من مجرد قراءة للوضع الإقتصادي إلى عامل مؤثر في السوق نفسه ، لأنها تسهم في تشكيل توقعات المستهلكين وتوجيه سلوكهم ، بل وقد تفتح الباب أمام المضاربة ورفع الأسعار بشكل تدريجي قبل حلول الموسم.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بقطاع يستفيد من برامج الدعم العمومي ، سواء من خلال دعم الأعلاف أو برامج تحسين القطيع ومواكبة الإنتاج… لذلك فإن الجمع بين الإستفادة من الدعم العمومي والترويج المبكر لإحتمال إرتفاع الأسعار يثير لدى كثير من المواطنين شعورا بعدم التوازن ، ويطرح سؤال العدالة الإقتصادية في علاقة المنتج بالمستهلك.
ولعل ما يعكس حجم هذا القلق أن عددا كبيرا من المواطنين عبروا اليوم عبر منصات التواصل الإجتماعي عن سخطهم وإستيائهم من هذه التوقعات المبكرة ، معتبرين أن الترويج المسبق لفكرة الغلاء لا يخدم سوى المضاربين ويزيد الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود ، وقد بدت في هذه التفاعلات الرقمية نبرة واضحة من التخوف من أن يتحول الموسم ، مرة أخرى إلى مناسبة يطغى فيها الحديث عن الأسعار بدل أن يبقى فضاء للقيم التضامنية والإجتماعية التي يحملها العيد.
إن السوق بطبيعتها يخضع لمنطق العرض والطلب، لكن هذا المنطق يفترض وجود قدر من الشفافية والوضوح في المعطيات، بعيدا عن الإشاعات أو التوقعات الموجهة ، ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات المختصة في مواكبة الوضع بقدر أكبر من اليقظة، من خلال تقديم معلومات دقيقة للرأي العام حول وضعية القطيع الوطني والإجراءات المتخذة لضمان وفرة الأضاحي ، مع مراقبة السوق لمنع أي ممارسات إحتكارية أو محاولات للتلاعب بالأسعار.
إن حماية القدرة الشرائية للمواطنين تظل رهانا إجتماعيا أساسيا، خاصة في المناسبات ذات البعد الديني والإجتماعي مثل عيد الأضحى ،لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط ضمان توفر الأضاحي، بل أيضا حماية هذا الموسم من كل خطاب يهيئ للغلاء أو يفتح المجال أمام المضاربة، حتى يظل العيد مناسبة للطمأنينة والتكافل ، لا مصدر قلق جديد للأسر التي تكافح أصلا لمواجهة أعباء الحياة اليومية ، فهل تتحرك السلطات في الوقت المناسب لردع كل محاولات التلاعب بأسعار الأضاحي، وحماية السوق الوطنية والقدرة الشرائية للمواطنين قبل أن يتحول الحديث المبكر عن الغلاء إلى واقع مفروض؟!