قرر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء إغلاق الحدود في وجه البرلماني ورجل الأعمال عبد الرحيم بنضو، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، مع سحب جواز سفره، بعد مثوله أمامه في إطار متابعة قضائية في حالة سراح، على خلفية ملف يتعلق بالمواد التي يتم إنتاجها من طرف شركته المختصة في الأجبان ومشتقات الحليب. وجاء هذا القرار كإجراء احترازي في انتظار تحديد أولى جلسات الاستنطاق التفصيلي خلال الأسابيع المقبلة، في مسار قضائي ما يزال في بدايته، وتظل فيه قرينة البراءة قائمة.
غير أن وقع هذه التطورات تجاوز حدود الملف القضائي، ليضرب في العمق الخطاب السياسي الذي اختارت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة تسويقه في الآونة الأخيرة، خصوصاً الخطاب الذي خرجت به فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة ضمن القيادة الثلاثية للحزب، والذي اتسم بنبرة طهرانية عالية، ودعوة صريحة لمناضلي الحزب إلى الخروج والدفاع عن “نظافة” التنظيم، والتأكيد على أن الحزب وطني، صادق، ولا ينافق.
الواقع الملموس، كما تعكسه هذه القضية، يطرح اليوم سؤالاً حرجاً حول مدى انسجام هذا الخطاب مع ما يجري داخل الحزب. فسحب جواز سفر برلماني يُعد من الوجوه المعروفة داخل “البام”، واتخاذ إجراء قضائي ثقيل في حقه، جاء ليُظهر أن الخطاب الذي رُفع بسقف عالٍ لم يكن مؤسساً على معطيات دقيقة بقدر ما كان نتاج حماس عابر، بدا وكأنه سابق لأوانه ولم يُراعِ تعقيدات المشهد السياسي والقضائي داخل الحزب.
وإذا كانت المتابعة القضائية لا تعني الإدانة، فإن السياسة لا تنتظر دائماً الأحكام النهائية لتقييم الخطاب والمواقف. فالمصداقية السياسية تُبنى على التوازن بين القول والفعل، وعلى التحفظ حين يكون الواقع هشاً، لا على إطلاق تصريحات قطعية تُراكم الالتزامات الرمزية دون سند واقعي متين.
القضية الحالية أظهرت بوضوح أن خطاب الطهارة السياسية الذي تبنته المنسقة الثلاثية لم يصمد طويلاً أمام أول اختبار عملي، بل سرعان ما تآكلت حوافه أمام الوقائع، وهو ما يجعل التساؤل مشروعاً حول ما إذا كانت صاحبة الخطاب قد أدركت، بعد مراجعته، أنه لم يكن محسوباً بما يكفي، وأنه فتح على الحزب باباً للحرج بدل أن يغلقه.
وما يزيد من تعقيد الموقف أن الرأي العام لم يعد يتفاعل مع الشعارات بقدر ما يراقب التناقضات، ولم يعد يمنح الثقة المطلقة لخطابات التبرئة الجماعية، خصوصاً حين تتزامن مع ملفات قضائية تمس أسماء وازنة داخل التنظيمات السياسية.
في ضوء ذلك، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة ترتيب خطابه وربط مواقفه بما هو ملموس وواقعي، لأن القضايا الجارية أثبتت أن الحماس الخطابي، مهما كانت نواياه، قد يتحول بسرعة إلى عبء سياسي حين لا يكون مدروساً، وأن المصداقية لا تُبنى بالصوت المرتفع، بل بالتحفظ، والوضوح، والانسجام بين الخطاب والواقع.
المقال السابق
قد يعجبك ايضا