ساحة جامع الفنا… حين تتحول التهيئة إلى تمرين وطني في الهروب من المسؤولية!….

0 1٬021

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في مراكش، لا تحتاج إلى تذكرة لمشاهدة عروض الفرجة… يكفي أن تتابع ملف (تهيئة) ساحة جامع الفنا، لتكتشف أن أعظم العروض لم تعد تلك التي يقدمها الحكواتيون، بل تلك التي يؤديها بعض المسؤولين، بإتقان عجيب، في فن قديم متجدد “فن التملص”!

 

آخر فصول هذه الملهاة، خرجة ميدانية لنائب العمدة، قدمت على أنها لحظة توضيح، فإذا بها تتحول إلى درس نموذجي في:

(كيف تقول كل شيء… دون أن تقول شيئا).

 

قيل لنا بكل ثقة، إن شركة “العمران” هي المسؤولة.

جميل… بل رائع!

لكن، إذا كانت الشركة مسؤولة،

– فمن الذي سلمها المشروع؟

– ومن الذي وقع؟

ومن الذي راقب؟

ومن الذي صمت طويلا قبل أن يتكلم فجأة؟

– أم أن المجلس الجماعي صار، في غفلة من الزمن، مجرد شاهد أنيق، يحضر عند التدشين، ويغيب عند المساءلة؟

 

الحقيقة التي لا يريد أحد قولها صراحة، هي أن المسؤولية هنا ليست ضائعة… بل (موزعة) بعناية، حتى لا يمسك بها أحد!

أما حكاية التأخر، فقد دخلت بدورها متحف النكت الإدارية (المطر هو السبب)!

نعم، المطر… ذلك الكائن المفاجئ الذي نزل علينا من كوكب آخر، دون سابق إنذار، وأربك عبقرية التخطيط لدينا!

وكأن مراكش مدينة صحراوية لم تعرف الغيث منذ قرون، ثم فاجأتها السماء في لحظة غير محسوبة!

 

في الدول التي تحترم نفسها، يؤخذ المطر بعين الإعتبار في الدراسات.

أما عندنا، يؤخذ كعذر بعد الفشل.

لكن الأخطر من التأخير، هو ما يطبخ في صمت…

 

ساحة جامع الفنا ليست مشروع تبليط، ولا ورشا عاديا يمكن ترقيعه بأي مادة تستورد على عجل.

إنها ذاكرة شعب، وهوية مدينة، ووجه بلد أمام العالم.

وحين يبدأ الهمس عن مواد لا علاقة لها بروح المكان، وعن ٱختيارات باردة لا تشبه حرارة الساحة، فإننا لا نكون أمام تهيئة… بل أمام عملية تجميل قد تنتهي بتشويه!

والأطرف في المشهد، أن من يشرح هذه التفاصيل التقنية الدقيقة، هو منتخب سياسي يقف وحيدا، وكأنه مهندس ومقاول وخبير تراثي في آن واحد!

– أين ٱختفى أهل الإختصاص؟

– هل تبخر المهندسون؟

هل دخلت مكاتب الدراسات في عطلة جماعية؟

أم أن الحقيقة بسيطة جدا: «حين تضيق الإجابات، يستدعى السياسي… لأنه بارع في الكلام عندما تغيب الأرقام».

 

المواطن المسكين في كل هذا، لا تعنيه لا “العمران”، ولا “التفويض”، ولا المصطلحات الفرنسية الثقيلة.

هو يريد جوابا واضحا:

– من الذي أخطأ؟

– ومن سيحاسب؟

 

لكن يبدو أن هذا السؤال، في قاموس تدبيرنا المحلي، يصنف ضمن (الأسئلة المزعجة)، التي يفضل دفنها تحت طبقات من الإسفلت الجديد!

 

في النهاية، قد تستكمل الأشغال، وقد تفرش الأرضية، وقد تلتقط الصور، وقد تقص الأشرطة…لكن ما لن يرمم بسهولة، هو ثقة المواطن حين يرى أن مدينة بحجم مراكش تعجز عن تدبير ساحة… دون أن تتحول إلى فضيحة صغيرة بحجم كبير.

ساحة جامع الفنا، التي علمتنا كيف نحكي القصص، أصبحت اليوم قصة في حد ذاتها…قصة عنوانها:

«كيف تضيع المسؤولية… حين يتقن الجميع الهروب».

 

ولعل أخطر ما في الأمر، ليس التأخر… ولا حتى الإختيارات التقنية، بل أن يتحول العبث إلى أمر عادي، والتساؤل إلى وقاحة، والمحاسبة إلى حلم مؤجل.

حينها فقط، ندرك أن المشكل ليس في الساحة… بل في من يدبرها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.