عبد العزيز اللاجي-
تختزل المسألة الفنزويلية، في كثير من القراءات السطحية، في صراع سياسي داخلي أو في فشل اقتصادي لنظام حكم بعينه. غير أن هذا الاختزال يغفل جوهر القضية: نحن أمام امتحان أخلاقي وسياسي للنظام الدولي نفسه، وأمام سؤال أكبر من فنزويلا، يتعلق بمعنى السيادة وحدود القوة ومشروعية التدخل.
حين يخرج رئيس دولة كبرى ليلمح، أو يصرح، بأن بلدا ما “سيدار من الخارج”، وبأن ثرواته “ستسلّم” لشركات أجنبية، وبأن الشرعية تمنح وتسحب وفق ميزان المصالح، فنحن لا نكون أمام موقف سياسي عابر، بل أمام منطق وصاية يقوض فكرة الدولة ذاتها. الأخطر أن يصدر هذا المنطق عن دولة تمسك بمقعد دائم في مجلس الأمن، أي عن جهة يفترض أنها حارس للنظام الدولي لا ناقض له.
القضية هنا ليست سجالا قانونيا محضا، ولا دفاعا أعمى عن نظام سياسي أو تبرئة لسجله. إنها مسألة مبدأ: هل تعلّق سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة لأنها وصِفت، من الخارج، بـ“عدم الأهلية للحكم”؟ ومن يملك حق هذا التوصيف أصلا؟ وأي عالم سنصحو عليه إذا صارت العقوبات والتهديدات والصفقات بديلا عن المؤسسات الدولية والقواعد المشتركة؟
في هذا السياق، يتحول خطاب التدخل إلى منطق غلبة، تُستبدل فيه الشرعية الدولية بقانون القوة، وتدار فيه شؤون الشعوب بمنطق “من يملك أكثر يقرر أكثر”. وهو منطق لا يصنع استقرارا ولا عدالة، بل يفتح الباب لفوضى شاملة، حيث يغدو كل بلد مشروع وصاية محتمل متى تغير ميزان المصالح.
إن الوقوف ضد هذا الأسلوب في إدارة العلاقات الدولية لا يعني الدفاع عن أخطاء الأنظمة أو تبرير إخفاقاتها. بل يعني الدفاع عن حق الشعوب في أن تكون هي الفيصل، لا التهديدات ولا العقوبات ولا الإملاءات العابرة للحدود. فالتاريخ يعلمنا أن من يبرر اليوم إدارة بلد بالقوة، قد يجد نفسه غداً ضحية للمنطق ذاته.
وحين يتصرف رئيس دولة كأنه إمبراطور مفوّض لإعادة توزيع العالم، كما ينعكس في الخطاب التدخلي لدونالد ترامب تجاه فنزويلا، فذلك إنذار واضح بأننا نبتعد عن روح النظام الدولي، ونقترب من عالم “القوي يأكل الضعيف”.
رأينا لا لبس فيه: السيادة ليست امتيازا يمنح أو يسحب، بل حق أصيل. وإدانة التدخل الأمريكي في فنزويلا، خطابا وممارسة، هي دفاع عن هذا الحق، اليوم هناك، وغدا في أي مكان آخر، قبل أن يصبح الاستثناء قاعدة، والفوضى نظاما.