حين يتحول المنصب إلى غاية… والمسؤول إلى صاحب ملكية خاصة
بقلم رشيد زلاغ:
يبدو أن بعض المسؤولين عندنا لا يُقاس أداؤهم بما يُنجزون، بل بمدى قدرتهم على البقاء… أطول! فالمناصب لديهم لا تُمارس بمنطق المسؤولية، بل تُورَّث بمنطق الامتلاك. تُخطئ في التدبير المحلي؟ لا مشكلة. تتعثر في التسيير الوطني؟ لا بأس. تخلق الأزمات السياسية بدل حلّها؟ المهم أن يظل الكرسي ثابتًا… وصاحبه فوق النقد والمحاسبة.
المفارقة أن بعض هؤلاء المسؤولين صاروا يعتقدون أن المنصب يمنحهم العصمة، وأنهم وحدهم يملكون الحقيقة. أما من ينتقد أداءهم أو يطالب بالمحاسبة، فمكانه في خانة “المشوشين” أو “الخصوم”. بل إن بعضهم طوّر هواية جديدة: تقديم شكايات كيدية في وجه كل صوت حرّ يجرؤ على مساءلة تدبيرهم المرتجل، وكأننا في زمنٍ صار فيه النقد جريمة، والمحاسبة تهديدًا للاستقرار.
والنتيجة؟ تدبير محلي غارق في الروتين والولاءات، وتسيير وطني متعثر بقرارات مرتجلة، ومشهد سياسي يزداد ضبابية. المواطن، الذي يُفترض أن يكون محور العمل العمومي، أصبح مجرّد متفرّجٍ يدفع الثمن — ثمن الأخطاء، وثمن الصمت، وثمن العناد الإداري والسياسي.
المشكلة ليست في المناصب، بل في الذهنيات التي تراها غاية في ذاتها. فالمسؤول الذي يطيل الجلوس على الكرسي يفقد الإحساس بالواقع وبنبض الناس، لأن السلطة حين تطول، تُسكر صاحبها وتجعله ينسى أن الكفاءة أهم من الولاء، وأن الوطن أكبر من أي مسؤول.
الإصلاح لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة تُعيد الاعتبار للضمير والكفاءة والمحاسبة. فالمناصب زائلة، لكن أثر التدبير يبقى… كما تبقى ذاكرة المواطنين شاهدة على من خدمهم ومن خذلهم.