
كان من المفترض أن يكون لقاء “مالية جماعة مراكش: الواقع والتحديات” محطة تواصلية وازنة، تؤطرها رئيسة المجلس الجماعي فاطمة الزهراء المنصوري بنفسها، باعتبارها الآمرة بالصرف، والواجهة السياسية الأولى للمدينة، لكن ما حدث في الواقع لم يكن سوى تمرين في الفراغ، فراغ القاعة، وفراغ الخطاب، وفراغ الثقة.
عمدة مراكش المنصوري، السيدة الأولى للمجلس، غابت عن لقاء يفترض أنه يعالج أحد أخطر ملفات التدبير المحلي: مالية الجماعة. غياب لا يثير الاستغراب بقدر ما يؤكده، إذ بات الغياب عنوانًا ثابتًا في هذا المجلس. غير أن المفارقة الساخرة أن من يفترض فيهم سد هذا الغياب، أي نواب العمدة، اختار سبعة منهم الغياب بدورهم من أصل عشرة، وكأن “الواقع والتحديات” لا تعنيهم، أو كأن المالية شأن ثانوي يمكن مناقشته في وقت لاحق… أو في قاعة أخرى.
النتيجة؟ كراسٍ زرقاء فارغة أكثر عددًا من الحاضرين، وصفوف تشهد على فشل تنظيمي ذريع، ورسالة واضحة للمواطنين: الثقة مفقودة، والحضور بلا جدوى. فلا سياسيون بارزون، ولا مستشارون جماعيون وازنون، سوى قلة حضرت، لا اقتناعًا بجدية اللقاء، بل استجابة لدعوة خاصة.

وهنا تبدأ فصول العبث، فدعوة المنتخبين لم تأتِ عبر القنوات المؤسساتية المعهودة، بل عبر رسالة صوتية من مديرة ديوان العمدة، التي لا يدخل ضمن اختصاصها لا استدعاء المنتخبين ولا تأطير النقاش السياسي، لكنها وجدت نفسها فجأة وسيطًا للتودد، تشرح أهمية لقاء تغيب عنه رئيسة المجلس نفسها. مفارقة تليق بمسرح العبث، لا بمدينة بحجم مراكش.
أما الحضور، فكان خليطًا غير متجانس، منخرطون في حزب العمدة، موظفون موسميون بقبعتين، بعض المنتخبين الذين سلّموا أمرهم لـ”القوة النائمة” داخل المجلس، وآخرون حضروا على قلتهم بدافع الفضول لاكتشاف خبايا اللقاء. في المقابل، اختار آخرون الغياب بصمت، إدراكًا منهم أن النقاش محسوم سلفًا، وأن الحضور مجرد تزكية شكلية.

الطريف ، أو المؤلم أن اللقاء الذي خُصص لمناقشة “الواقع والتحديات” وجد نفسه يناقش واقعًا واحدًا لا غير: كيف نملأ الكراسي؟ وكيف نظهر بصورة نجاح، ولو تطلّب الأمر تعبئة من الشارع؟ لكن الصورة كانت أبلغ من كل العروض، وأصدق من كل الشعارات: فشل واضح للعيان، ولكل متابع ملمّ بخبايا السياسة المراكشية.
اليوم يتأكد مرة أخرى أن الواقع شيء، والخطابات الجوفاء شيء آخر. فالعناوين الرنانة لا تخفي تعثرات مجلس عقيم، والبلاغات لا تعوض غياب الإرادة السياسية. والسؤال المشروع: هل تعلم المنصوري بما جرى؟ الأكيد أن الصورة وصلت إلى “بنت الباشا” عبر من يمدّونها بأخبار مراكش، صغيرها وكبيرها. لكن ما ردّ فعلها؟ وهل هي راضية عمّا حدث؟

وإن قررت السيد العمدة الحديث عن الغياب، فهي بشهادة الجميع بطلة قياسية في الغياب الدائم والمستمر، غير أن التخوف الحقيقي ليس على الغائبة، بل على من لم يحضروا اللقاء، ومن مدّوا أعناقهم طوعًا، إذ قد يجدون أنفسهم عرضة للتنكيل السياسي، لا لشيء سوى أنهم لم ينجحوا في ملء القاعة، ولم يلبّوا دعوة مديرة الديوان كما كان مأمولًا.
هكذا نوقشت مالية مراكش بلا عمدة، بلا نواب، وبلا جمهور.
لقاء تواصلي تحوّل إلى مرآة ساخرة تعكس أزمة مجلس، ومدينة تُدار بالغياب وتُسوّق بالفراغ.