لم يعد الصمت ممكنًا، ولم يعد الغضب المراكشي قابلًا للاحتواء، في ظل استمرار فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش ووزيرة السكنى والتعمير وسياسة المدينة، في تجاهل حصيلة ثقيلة من الإخفاقات والاختلالات التي لم تعد مجرد آراء أو انتقادات عابرة، بل وقائع متداولة تشغل الرأي العام المحلي والوطني، وتضعها في موقع مساءلة سياسية وأخلاقية حقيقية. فالعجز عن التوفيق بين المسؤولية الحكومية والتدبير المحلي حوّل المنصبين من أدوات للإصلاح إلى عبء ثقيل على مدينة بحجم مراكش.
مراكش اليوم ليست تلك المدينة العالمية التي يُستعمل في الخطابات الرسمية، بل مدينة منهكة، غارقة في الفوضى، تعيش على وقع احتجاجات متواصلة، ومشاريع متعثرة، وملفات اجتماعية قابلة للانفجار. في مقدمة هذه الملفات يبرز ملف التعويضات وإعادة الإيواء، الذي تفجّر مجددًا بتجزئة الكومي، حيث خرج محرومون من التعويض بتصريحات صادمة تحدثوا فيها عن الإقصاء والتلاعب وحرمان ذوي الحقوق، في مشروع كان يفترض أن يحمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا. هذه الوقائع لا تبدو معزولة، بل تعكس نمطًا متكررًا من سوء التدبير وغياب القرار، جعل المدينة رهينة الانتظار والغضب بدل الحلول.
ولا يمكن عزل هذه التطورات عن الدور المثير للجدل الذي لعبته مؤسسة العمران بمراكش، والتي راكمت، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من الاختلالات في تهيئة وتأهيل عدد من المشاريع، من جماعة تسلطانت إلى تجزئة الكومي، مرورًا بمناطق أخرى تحولت فيها الأوراش المعلنة إلى بؤر احتقان اجتماعي. مشاريع سُلّمت دون تجهيزات أساسية، وبنية تحتية مهترئة، ومساحات عمومية مغشوشة، ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ما جعل الساكنة تشعر بأنها تعرّضت لعملية ترحيل قسري مقنّع بدل إعادة إدماج حقيقي يضمن الكرامة والاستقرار.
جريدة بيان مراكش لم تكن شاهدة صامتة على هذا العبث، بل نبهت منذ مدة إلى خطورة ما يجري داخل مؤسسة العمران، وسلطت الضوء، عبر ثلاث مقالات متتالية، على خروقات واضحة ومشاكل بنيوية لا تنتهي. مقالات لم تمر مرور الكرام، بل أسهمت في الإطاحة بالمدير الجهوي لعمران مراكش–آسفي، ومدير مؤسسة العمران بتامنصورت، في واقعة تؤكد أن ما نُشر لم يكن تهويلاً ولا تصفية حسابات، بل حقائق موثقة أزعجت مراكز نفوذ اعتادت الاشتغال في الظل.
الأخطر من ذلك، هو ما تعرضت له الجريدة أنذاك من محاولات مكشوفة للمساومة وتدخلات من منتخبين محسوبين على حزب “بنت الصالحين”، في محاولة لثنيها عن الاستمرار في كشف هذه الخروقات مقابل امتيازات وإغراءات، من قبيل الإشهار وغيره. غير أن الجريدة اختارت طريق المواجهة، ورفضت الرضوخ، مؤكدة أن الصحافة ليست ذراعًا دعائيًا ولا شريكًا في الصمت، بل سلطة رقابية وجزء من معركة الحقيقة.
كل هذا يحدث، ومؤسسة العمران تبقى سياسيًا وإداريًا تحت مسؤولية فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها وزيرة الوصاية على قطاع السكنى والتعمير، ما يجعل الصمت الرسمي تجاه هذه الاختلالات بمثابة إقرار بالفشل أو عجز عن الفعل. وهو ما يطرح سؤالًا محرجًا للرأي العام: كيف لوزيرة تشرف على قطاع استراتيجي أن تعجز عن ضبط مؤسسة تابعة لها، وتترك ملفات اجتماعية قابلة للانفجار، وتكتفي بالمشاهدة من بعيد؟
فشل المنصوري لم يعد محصورًا في تدبير مراكش، بل امتد إلى أدائها الحكومي، خصوصًا في ملف السكن، الذي يُفترض أن يكون في صلب اختصاصها. فمنذ توليها الوزارة، شهدت أسعار الشقق، خاصة الاقتصادية منها، ارتفاعًا صادمًا وغير مسبوق، حيث انتقلت من حوالي 25 مليون سنتيم إلى 40 و45 مليونًا، دون أي مبررات اجتماعية أو تقنية مقنعة. الأخطر هو انفجار قيمة “النوار”، التي تحولت إلى سوق سوداء علنية تراوحت في عدد من المشاريع بين 15 و20 مليون سنتيم، أي ما يعادل نصف ثمن الشقة، في ظل غياب شبه تام للرقابة وتغوّل لوبيات العقار.
هذا الوضع لم يُنهك فقط جيوب المراكشيين، بل صادر حقهم في السكن داخل مدينة وُلدوا فيها وترعرعوا بين أحيائها. مراكش، في عهد المنصوري، لم تعد مدينة لأبنائها، بل تحولت إلى سوق مفتوح للمضاربات العقارية، حيث يُقصى المواطن البسيط ويُدفع نحو الهامش، بينما تُستباح معاناة الناس دون حسيب أو رقيب.
وفي خضم هذا الوضع المتأزم، يتزايد ترقّب المراكشيين، ومعهم جزء واسع من الرأي العام الوطني، لخطوة سياسية باتت مطروحة بإلحاح: هل ستسير فاطمة الزهراء المنصوري على خطى عزيز أخنوش، الذي أعلن صراحة عدم نيته الترشح لولاية أخرى على رأس حزبه، في خطوة فُهمت على أنها اعتراف ضمني بثقل المسؤولية وضرورة تجديد النخب؟ أم أن المنصوري تفتقر إلى الجرأة السياسية لاتخاذ قرار مماثل، وتقديم استقالتها أو إعلان نيتها عدم الترشح، وفتح المجال فعلًا للكفاءات والعقول التي تقول إن حزبها يزخر بها؟
هذا السؤال لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح مطلبًا أخلاقيًا في ظل حصيلة توصف بالضعيفة محليًا والمتواضعة حكوميًا. فالمراكشيون الذين خُذلوا في مدينتهم، والمغاربة الذين لمسوا فشل سياسات السكن وغلاء المعيشة، ينتظرون موقفًا واضحًا، لا مزيدًا من الهروب إلى الأمام. غير أن المؤشرات المتداولة، وما يُروّج في بعض الدوائر، يوحي بعكس ذلك، حيث يجري الحديث، بشكل غير بريء، عن “تهيئة” الرأي العام المغربي نفسيًا وسياسيًا لتقبل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة، وكأن الأمر محسوماً سلفًا، وكأن المغاربة مجرد متفرجين على مسار مُعدّ سلفًا خلف الكواليس.
إن ترويج مثل هذه السيناريوهات لا يخدم بلدًا يطمح إلى ترسيخ الديمقراطية، ولا ينسجم مع خطاب تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، ولا يحترم ذكاء المواطنين. ففرض أسماء بعينها، رغم فشلها في تدبير قطاعات حيوية ومدن كبرى، يكرس منطق الوصاية السياسية، ويقوّض الثقة المتآكلة أصلًا بين المواطن والمؤسسات.
اليوم، لا ينتظر المراكشيون خطابات ولا تبريرات، بل موقفًا سياسيًا واضحًا. إما تحمّل كامل للمسؤولية، وفتح تحقيقات حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو الاعتراف بالفشل والانسحاب من المشهد. غير ذلك سيُقرأ كإصرار على الهروب إلى الأمام.
الكرة اليوم في ملعب فاطمة الزهراء المنصوري، والتاريخ السياسي لا يرحم، والرأي العام لم يعد ساذجًا. من فشل في تدبير مدينة بحجم مراكش، ومن عجز عن ضبط قطاع السكنى، ومن صمت عن خروقات مؤسسة العمران، لا يمكنه الادعاء بأنه مؤهل لقيادة المستقبل.
المقال السابق
قد يعجبك ايضا