دشنت جهة فاس-مكناس ، عشية أمس الخميس ، دخولها الثقافي بندوة بالعاصمة العلمية رصد فيها ثلة من الباحثين التحديات الثقافية في زمن التطور الرقمي.
وتعتبر الندوة التي نظمتها المديرية الجهوية للثقافة والاتصال، افتتاحا رسميا لمختلف الأنشطة التي برمجت في مختلف مدن الجهة برسم الموسم الحالي.
واستهل الباحث في التاريخ المعاصر عبد العزيز العموري الندوة بالوقوف عند الثقافة في زمن الرقمنة، مفيدا بأن الأساليب الرقمية التي طغت على القلم والدفتر، ساهمت ، بقدر كبير ، في خلق منتوج ثقافي وظف في التدوين والنشر، حيث أصبح الحاسوب يأخذ مع مرور الوقت حيزا مهما في ممارسة فعل الكتابة.
وأورد أن هذا التحول مؤشر على نهاية حقبة الدفتر التي عمرت لفترة زمنية طويلة، وأن اختراع المطبعة إذا كان ساهم في تعميم الكتاب واتساع قاعدة القراء، فإن العصر الحالي يتسم بسعي حثيث لرقمنة الرصيد الوثائقي في عدد من المكتبات العالمية، بما يفيد بأن الاهتمام بالكتاب الرقمي أصبح يفرض نفسه بقوة وبأن الثقافة تحولت إلى منتوج كوني يعتمد في التسويق على الصورة والإشارة والنصوص.
وخلص إلى أن مجاراة هذه الثقافة يفرض على الفاعلين الذاتيين والمؤسساتيين في المجال، تطوير مجال الثقافة الرقمية و”تحريرها من آثار الثقافات المنغلقة المناهضة للتغيير”.
ولاحظ الباحث في العلوم الاجتماعية عبد الرحيم العطري أن الثورة الرقمية خلقت لدى الإنسان سلوكات منها “أننا أصبحنا نعيش حالات قصوى من التمشهد (البحث عن البوز)، وأصبحنا أكثر افتتانا بثقافة السيلفي ونحاول أن نشترك أو نتقاسم ربما التفاصيل الصغيرة في حياتنا”.
وسرد المتحدث أرقاما تخص المجتمع المغربي منها أن بالمملكة حاليا 15 مليون هاتف ذكي (7، 54 في المائة من المغاربة لديهم هذا النوع من الهواتف)، و4، 94 في المائة من مجموع ساكنة المملكة يتوفرون على هاتف، و14 مليون شخص لديهم حساب فايسبوكي، بما يعني أنه “أصبحت لنا جالية مغربية مقيمة في الفايسبوك أو ما يسمى بالسلطة السابعة”.
ونقل عن دراسة أنجزها مركز إعلامي مغربي، أن الفئة العمرية من 18 إلى 24 سنة هي الأكثر استخداما للفايسبوك بحوالي 39 في المائة، والفئة من 25 إلى 34 سنة (28 في المائة)، ومن 13 إلى 17 سنة (15 في المائة)، وما فوق 45 سنة يشتغلون على الفايسبوك في حدود 7 بالمائة.
وسجل أن هذا العالم الرقمي إذا كان يتيح فرص تحديث المجتمع وعقلنة العلاقات الاجتماعية واختزال الزمن وتيسير التداول والتقاسم وتحقيق ارباح رمزية ومادية، فإنه ينبئ بمخاطر أيضا منها تهديد القيم والسلم الاجتماعي وتشييء الواقع.
وأجرى الباحث في علم الاجتماع والأنتروبولوجيا عياد أبلال في مداخلته مقارنة بين الرقمنة في العالم الغربي ونظيره والعربي.
ورأى أن الأوربيين الذين يعتبرون أنفسهم الخلفية المرجعية لمفهوم الحداثة التي تعد الرقمنة من تجلياتها، يصرون على الاحتفاء بالكتاب والمثقف والمزج بين جيلي الآباء والأبناء بعكس العرب “الذين لم يصلوا بعد إلى درجة الوعي بهذا العالم الرقمي”.
وبحسب أبلال، فإن العرب المواكبين لهذه الثورة هم مجرد “مهاجرين رقميين لا مواطنين رقميين”، ولم يصلوا بعد إلى نظرائهم في العالم الغربي المنخرطين كليا في الحركة الاجتماعية والسياسية والثقافية لبلدانهم.
وتعد الندوة أحد فقرات البرنامج الافتتاحي لهذا الدخول الثقافي الذي يتواصل بمدينة فاس على مدى يومين، ويتضمن أيضا ورشتين للقراءة، وعرض فني مسرحي للأطفال.